إذن نخلص من هذا أن الصحة والفساد حكمان شرعيان وهذا قول الجمهور وهو الصحيح ثم هؤلاء القائلين ثم هؤلاء القائلون بأن الصحة والفساد حكمان شرعيان قد اختلفوا فيما بينهم هل الصحة والفساد حكمٌ شرعي تكليفي أم حكمٌ شرعي وضعي؟ الجمهور على أنها من الأحكام الوضعية لحقيقة أو لانطباق حقيقة خطاب الوضع على حد الصحة والفساد، إذا انتفى الاقتضاء والتخيير تعين الثاني إذا انتفى الاقتضاء والتخيير تعين النوع الثاني ولا إشكال، الفخر الرازي ومن تبعه ذهبوا إلى أن الصحة والفساد حكمان تكليفيان قالوا: لأن معنى الصحة الإباحة معنى، ومعنى البطلان الحرمة، معنى الصحة الإباحة إذن فسروا الصحة بماذا؟ بالإباحة والإباحة حكم شرعي تكليفي كما سبق إذن الصحة حكمٌ شرعي تكليفي، الإباحة يقصدون بها إباحة الانتفاع وفسروا البطلان بالحرمة يعني: حرمة الانتفاع إذا بطل العقد يحرم الانتفاع بالثمن من جهة البائع ويحرم الانتفاع بالسلعة ونحوها من جهة المشتري. قالوا: الحرمة حرمة هذا حكمٌ شرعي تكليفي إذن رد البطلان وفسر بحكم شرعي تكليفي نقول هذا يكفي فيه أن تكلف ولا يدل لفظ الصحة لا لغةً ولا شرعًا على معنى الإباحة ولا يدل لفظ البطلان لا لغة ولا شرعًا نفي الحرمة أو على إثبات الحرمة، فحينئذٍ نقول الصواب أن الصحة والفساد حكمان شرعيان، ثم الصواب أن الصحة والفساد حكمان شرعيان وضعيان، ولا نقول أنهما تكليفيان.
حد الصحيح قال: (وَضَابِطُ الصْحِيحِ مَا تَعَلَّقَا) حد الصحيح، الصحيح هنا من حيث الصحة لا بد من تقييده لأن الصحيح والفاسد هذان مشتقان، والأصل في وصفهما أنه يوصف بهما فعل المكلف وهنا يفسر الصحيح أو الفاسد من حيث وصفه بالصحة والفاسد من حيث وصفه بالفساد كما قيل فيما مضى من الأحكام الشرعية إذن نقول هذا شروعٌ من الناظم في بيان الخطاب أو أحكام الخطاب الوضعي لكن بأي اعتبار لأن الخطاب الوضع قلنا محصورٌ في خمسة: العلل، والسبب، والشرط، والمانع، والصحة والفساد، لكن نقول العلل غير مستقرة الأصل فيه. الشروط، والموانع، والأسباب، والصحة، والفساد، هذه خمسة. والعلة ترجع إليها لكن التقسيم هنا نقول تقسيم للحكم الشرعي الوضعي باعتبار استجماعه الشروط المعتبرة في الفعل وعدم استجماعه للشروط المعتبرة في الفعل، إذن ينقسم الحكم الشرعي الوضعي باعتبار، باعتبار ماذا؟ كون الفعل مستجمعًا للشروط المعتبرة فيه فيحكم عليه حينئذٍ بالصحة، وكون الفعل غير مستجمع للشروط المعتبرة فيه فيوصف حينئذٍ بالفساد والبطلان، من هذه الحيثية ينقسم الحكم الشرعي الوضعي إلى صحةٍ، وفساد.
الصحة في اللغة: نقول ذهاب المرض والبراءة من كل عيب هذا أصل إطلاقه في اللغة هذا صحيح هذا عكس هذا مريض وفيه عيب، وقيل الصحيح المستقيل وقيل السلامة وعدم الاختلاف، وكلها متقاربة لكن الأشهر والأحسن أن يفسر الصحيح بالمستقيل الصحيح المستقيل وضده المرض.
وليلٍ يقول المرء من ظلماتها**سواءٌ صحيحات العيون وعورها
صحيحات العيون أي: السالمة من العيب والمرض.
والفساد لغةً ضد الصلاح وقيل الفساد لغةً المختل، وقيل: الفساد لغةً الذاهب ضياعًا وخسرًا، وكلها متقاربة.