قد يطلق التصور مرادًا به مطلق الإدراك التصور له اصطلاحات عند المناطقة أنفسهم وسيأتينا أن الناظم هنا قوله: (تَصَوُّرُ) . أن المراد به التصور العام، التصور العام المراد به ماذا؟ {إدراك الشيء بلا حكم عليه} والتصور الساذج نقول: {إدراك الشيء بقيد عدم العلم أو التصور العام حصول صورة شيء في الذهن عفوًا حصول صورة الشيء في الذهن} وحصول صورة شيء في الذهن قد تكون مع الحكم وقد تكون بدون الحكم مع الحكم هو: التصديق. وبدون الحكم هو: التصور. إذن التصور الخاص الذي يسميه المناطقة بالتصور الساذج لخلوه عن الحكم يكون داخلًا في تصور العام والتصور العام يصير موافقًا للعلم مساويًا للفظ العلم لأن العلم هو الإدراك مطلق الإدراك التصور العام حصول صورة الشيء في الذهن سواء كان عن مفرد أو عن مركب فحينئذٍ يكون التصديق داخلًا في التصور العام، وإذا كان التصديق داخلًا في التصور العام صار مساويًا للعلم لأن العلم قسمان، وأما التصور الساذج الذي هو بقيد عدم الحكم لا مع الحكم نقول: هذا مقابل للتصديق الذي هو نوع من أنواع العلم هذا هو المشهور عند المناطقة وهو المرجح ثم كل منهما حتى يعترض معترض يقول: هم يفسرون العلم بأنه الحكم الجازم. نقول: لا غرو في ذلك لأن التصديق نوعان: تصديق ضروري، وتصديق نظري. والتصور أيضًا نوعان: تصور نظري، وتصور ضروري.
إذن لا يخرج الحكم الجازم عن نوعي العلم التصور والتصديق أما تقسيم العلم إلى تصور وتصديق نقول: هذا تقسيم له باعتبار ماذا؟ باعتبار متعلقه وتقسيمه إلى ضروري ونظري باعتبار الطريق الموصل إليه باعتبار متعلقه لأن العلم هو: الإدراك متعلق الإدراك مفرد إذن هو تصور، متعلق الإدراك مركب كامل إذن هو تصديق. إذن قسمنا العلم إلى تصور وتصديق باعتبار متعلقه الذي هو متعلق الإدراك وقسمناه إلى نظري وضروري باعتبار الطريق الموصول إليه لأن الضروري كما سيأتي ما لا يقع عن نظر واستدلال والنظر ما يقع عن نظر واستدلال هذا ملخص لما ذكرناه في شرح السلم عند قوله:
إدراك المفرد تصورًا علم ** ودرك نسبة للتصديق نسب
قال هنا:
وَعِلْمُنَا مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ ** إِنْ طَابَقَتْ لِوَصْفِهِ الْمَحْتُومِ
الذي ذكرته سابقًا هو الأصح في حد العلم أنه إدراك المعاني مطلقًا هنا عرفه قال:
وَعِلْمُنَا مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ ** إِنْ طَابَقَتْ لِوَصْفِهِ الْمَحْتُومِ
علمنا أراد به الاحتراز عن علم الله عز وجل وهنا من الإرادات على تفسير العلم أنهم أرادوا أن يضبطوا علم المخلوق فذكروا أوصافًا تختص بالمخلوق ثم يريدون أن يضعوا جنسًا شاملًا لعلم الله عز وجل وعلم المخلوق لأن العلم علمان وهذا لا شك فيه العلم علمان: علم المخلوق، وعلم الخالق.
علم المخلوق هو الذي قسمناه أنه ينقسم إلى: تصور، وتصديق. وأنه يكون نظريًّا وضروريًّا أما علم المخلوق فلا يوصف بواحد من هذا، لأن التصور والتصديق إدراك وصول النفس إلى المعنى بتمامه هذا ولا يوصف به الرب جل وعلا كذلك نقول: نظري، وضروري لا يقع بالاستدلال نقول: هذا لا يوصف به الرب جل وعلا وهذا محل خلاف محل اتفاق بين الأئمة.
علم الإله لا يقال نظري ** ولا ضروري ولا تصوري