فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 948

قال: (وَقِيلَ حَدُّ الْجَهْلِ فَقْدُ الْعِلْمِ) . (وَقِيلَ) هذا أورده بصيغة التضعيف، وإن كان هو المرجح لأن الحد الأول يختص بنوعٍ من نوعين الجهل، والجهل نوعان: جهلٌ مركب وقد سبق حده، وجهل بسيط وهو عدم العلم بالكلية كما قال الناظم: (وَقِيلَ حَدُّ الْجَهْلِ) وقيل هذه صيغة تضعيف وإن كان هي المرجحة (فَقْدُ الْعِلْمِ) بمعنى: عدم العلم وقلنا: هذا يرد عليه إيراد وهو أن عدم العلم قد يشترك فيه البهيمة والجماد وليس الأمر كذلك لأن البهيمة لا توصف بعدم العلم ولا كذلك الجماد لا يوصف بعدم العلم لماذا؟ لا نقول: لا يوصف بعدم العلم لا يوصف بالجهل لا يوصف الجماد بالجهل ولا توصف البهيمة بالجهل أليس كذلك؟ لا يقال البهيمة جاهلة ولا يقال الجماد جاهل الجدار جاهل لماذا؟ لأن الجهل سلب صفة العلم انتفاء العلم والقاعدة المضطردة عند أهل اللغة وعند العقلاء أن الشيء لا يسلب الصفة إلا إذا كان محلًا لها إلا إذا كان لها فإذا نفيت القيام عن شيءٍ ما لا تنف القيام إلا إذا كان المنفي عنه يصح منه القيام أما من لا يصح منه القيام فلا يصح أن تقول: هذا لا يقوم، كذلك النوم والضحك لا تنفي الضحك عن شيءٍ ما إلا إذا كان قابلًا للضحك فيكون ضاحكًا وتنفي عنه الضحك لو قيل حد الجهل فقد العلم بمعنى: عدم العلم. عدم العلم يستوي فيه البهيمة والجماد والإنسان حينئذٍ نقول: هذا الوصف عدم العلم ليس بجامع أو ليس بمانع لأنه يصح وصف الجماد بعدم العلم ولا يصح وصف الجماد بالجهل إذن لا يصح في حد الجهل أن يقال: هو فقد العلم إذن لا بد من عبارةٍ تدل على أن النفي عن شيءٍ قابلٍ له فحينئذٍ الأولى أن يقال: في حد الجهل هو انتفاء العلم ويزاد عليه بالمقصود:

والجهل جا في المذهب المحمود ** هو انتفاء العلم بالمقصود

انتفاء هذا مصدر انتفع ينتفي انتفاعًا يعنى النفي. هو انتفاء العلم، إذن نفي العلم هذا أخص من عدم العلم لأن عدم العلم أعم منه عدم العلم يطلق على البهيمة وعلى الجماد وعلى الإنسان ونفي العلم أو انتفاء العلم يتصف به من كان قابلًا للعلم وهو الإنسان إذن أيهما أخص نقول: انتفاء العلم عدم العلم لما كان يطلق على الجماد والبهيمة صار غير مانع والحد يفترض فيه أن يكون جامعًا مانعًا فلذلك العبارة الأولى أن تبدل.

(وَقِيلَ حَدُّ الْجَهْلِ نفي الْعِلْمِ) أو انتفاء العلم ويزاد عليه بالمقصود يعني: ما من شأنه أن يقصد نحن نتكلم عن الإنسان الذي يتصف بالعلم ويتصف بالجهل ما ليس مقصودًا للإنسان كما في بطون البحار أو تحت الأرضيين أو تحت البساط الذي معنا الآن نقول: هذا لا تتعلق به النفس هل أنت النفس تتحرك الآن لتعرف ما تحت البساط؟ تقول: لا ليس مقصودًا حينئذٍ عدم علمك أو نفي علمك بما تحت البساط لا يسمى جهلًا أنت الآن لا تدرك ما تحت البساط، هل أنت جاهلٌ؟ تقول: لا، لا يسمى جهلًا وإنما يخص الجهل بما كان من شأنه أن يقصد ولذلك مثال الناظم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت