فهرس الكتاب

الصفحة 791 من 948

ثم جاء خطابٌ متراخٍ عنه تعلق بفعل المكلف، بمحل ما تعلق به الخطاب الأول، فكان رافعا له مزيلًا لحكمه مغيرا لحكمه، كان إيجابا فصار ندبا، كان تحريما فصار كراهةً، كان واجبا ثم انتقل إلى عدم الحكم الشرعي البتة، صار إلى الإباحة. وهذا المراد بـ (رَفْعُ الخِطَابِ) تغييره، إزالته من حالٍ إلى حال، من حكمٍ وهو الإيجاب إلى عدم إيجابٍ أصلًا، كما في آية النجوى { (( (( (نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} [المجادلة: 12] . هذا دل على ماذا؟ على إيجاب الصدقة بين يدي النجوى، إذا ناجيتم الرسول - صلى الله عليه وسلم - نسخ هذا الحكم وهو الإيجاب، والجمهور على أنه نسخ إلى غير بدل، إذن رفع الحكم، وأزيل الحكم وتغير الحكم المتعلق بفعل المكلف، ولم يأت خلفٌ له.

(ثُبُوتَ) تعلق حكمٍ بفعل المكلف (بِالخِطَابِ السَّابِقِ) (بِالخِطَابِ) هذا متعلق بقوله ماذا؟ (ثُبُوتَ) ، ثبت الحكم السابق بخطابٍ، إذن الناسخ والمنسوخ تأخذ من هذين الشطرين الناسخ والمنسوخ لا يكونا إلا وحيين سمعيين: قال الله، قال رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ما عداه لا يكون ناسخ لأن الناسخ والمنسوخ تشريع، والتشريع لا يكون إلا بوحيٍ، ولما مات النبي عليه الصلاة والسلام انقطع الوحي، فالإجماع لا يكون ناسخا، وإذا رأيت أهل العلم يحكون الإجماع على النسخ فاعلم أن الإجماع هنا على ماذا؟ على مستند يعني: دليل وهو الناسخ في الحقيقة، وقد لا ينقل قد لا ينقل الناسخ، وإنما يجمع على الدليل، ثم قد لا ينكر ذلك الدليل.

(ثُبُوتَ حُكْمٍ بِالخِطَابِ السَّابِقِ) خرج به (ثُبُوتَ حُكْمٍ) يعني: الحكم السابق ثبت بخطاب، إذن إذا كان الحكم السابق لم يثبت بخطاب بل ثبت بالبراءة الأصلية، وهو عدم التكليف بشيء، أو الاستصحاب العدم، أو البراءة العقلية، نقول ورود الخطاب الثاني بحكمٍ شرعي ولم يثبت الحكم السابق بخطابٍ شرعي لا يسمى نسخا، لا بد أن يكون الخطاب المرفوع المنسوخ ثبت بقال الله، قال رسوله - صلى الله عليه وسلم -. فعدم إيجاب الصلوات، وعدم إيجاب الزكاة في أول الأمر، هذا حكمٌ، أليس كذلك؟ إباحة لكنها ليس إباحة شرعية، هي إباحة حكم ليس المكلف أو المخاطب والصحابة وغيرهم ليسوا مكلفين بإيجاب الصلاة، ولا إيجاب الصلاة، ولا الصيام كمثال، ثم جاء فرض الصلاة، هل فرض الصلاة هنا رفع حكمًا سابقًا أو لا؟ رفع وحصل رفع عدم إيجاب الصلاة، هذا حكمٌ وجاء { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} [الأنعام: 72] ،هذا مثبت لحكم سابق، لكن الحكم السابق لم يثبت بخطابٍ شرعي وإنما ثبت بماذا؟ ثبت بالبراءة الأصلية فحينئذٍ رفع الحكم السابق الثابت بالبراءة الأصلية، استصحاب العدم، لا يسمى نسخًا، وإلا لعدت الشريعة كلها ناسخة لما ثبت بالبراءة الأصلية.

وما من البراءة الأصلية ** قد أخذت فليست الشرعية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت