لأنه قيد في الأول وقال إن أمكن الجمع فيجب الجمع، وإذا امتنع الجمع أو أمكن الجمع على وجه متكلف متعسف فيه فحينئذ ننتقل إلى المرحلة الثانية فنقول إما أن يعلم التاريخ أو لا، إن علمنا التاريخ فالثاني ناسخ للأول ولا إشكال، وإن لم نعلم التاريخ فحينئذ نبحث عن المرجح وهنا عبر بالتوقف، وإن كان التوقف هذا في آخر المراحل وإن كان المراد التوقف إلى أن يبحث عن مرجح فلا إشكال، وأما إن كان التوقف يكون هو القول الراجح فيه بأن يتوقف في الجمع بين الدليلين أو تقديم أحدهما على الآخر ففيه نظر، وحيث لا إمكان الجمع بين النصين النطقين فالتوقف فالمرتبة الثانية الفاء هنا للترتيب والتعقيب فالتوقف فيهما عن العمل بهما إلى أن يظهر مرجح لأحدهما على الآخر لابد من أن نفسر كلام الناظم، هكذا فالتوقف فيهما عن العمل بهما لا يتوقف لا يعمل بهما لوجود التعارض إلى أن يظهر مرجح يرجح أحد الدليلين على الآخر، مثاله قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [سورة النساء:3] {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [سورة المؤمنون:6] هذه الآية أتت ما نقول هذا خاص أو عام عام {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يشمل الجمع بين الأختين الأمتين، فحينئذ يجوز الاستمتاع بهما مع قوله تعالى {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [سورة النساء:23] وأن تجمعوا يعني جمعكم {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [سورة النساء:23] إلى أن قال {وَأَنْ تَجْمَعُوا} [سورة النساء:23] يعني وجمعكم بين الأختين محرم وأل هنا تفيد العموم فيشمل ماذا؟ تحريم الجمع بين الأختين الحرتين وبين الأختين الأمتين، حينئذ المحل الذي هو الجمع بين الأختين الأمتين، أحلتها الآية الأولى أو ما ملكت أيمانكم وحرمتها الآية الثانية حرمتها الآية الثانية، فتوقف عثمان رضي الله تعالى عنه لما سئل عنها وقال أحلتهما آية وحرمتهما آية فتوقف لكن مطلقا أو نتوقف إلى أن يظهر مرجح؟ إلى أن يظهر مرجح فرجح الفقهاء التحريم بدليل خارج عن الآيتين بدليل خارجي عن الآيتين، وهذا وهو أن الأصل في الأبضاع التحريم حينئذ يكون من باب الاحتياط القول بتحريم الجمع بين الأختين.
ومن أحسن ما يُرجح به أيضا أن يقال: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [سورة النساء:23] هذا جاء نص في تعداد المحرمات وذاك أو ما ملكت أيمانكم جاء في سياق الامتنان والتمدح، وحينئذ إذا تعارض نصان وقد جاء أحدهما في موضعه وهو تحديد الأحكام الشرعية المتعلقة فما كان في ذاك النص فهو مقدم على غيره يكون من قبيل المرجحات، لأن قوله {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} هذا جاء في مقام التمدح حينئذ ليس المراد فيه تحديد الأحكام من حيث هي أحكام الحل والحرمة، وأما {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} ، {وَأَنْ تَجْمَعُوا} إلى أن قال {وَأَنْ تَجْمَعُوا} هذا محل لذكر الأحكام الشرعية ومتعلقاتها من حيث الحل والحرمة، فيكون ما ذكر في موضعه في آياته ولذلك يقال آيات الأحكام فما ذكر في آية في موضعه نقول هو مقدم على غيره.
التَّوَقُفُ**مَالَمْ يَكُنْ تَارِيْخُ كُلٍّ يُعْرَفُ