اعلم أن مدارك العقول تنحصر في الحد والبرهان وذلك لأن إدراك العلوم على ضربين إدراك الذوات المفردة كعلمك بمعنى العالم والحادث والقديم
والثاني إدراك نسبة هذه المفردات بعضها إلى بعض نفيا أو إثباتا فإنك تعلم أولا معنى العالم والحادث القديم مفردا ثم تنسب مفردا إلى مفرد فتنسب الحادث إلى العالم بالإثبات فتقول العالم حادث وتنسب للقديم إليه بالنفي فتقول العالم ليس بقديم والضرب الأول يستحيل التصديق والتكذيب فيه إذ لا يتطرق إلا إلى خبر وأقل ما يتركب منه الخبر مفردان والضرب الثاني متطرق إليه التصديق والتكذيب وقد سمي قوم الضرب الأول تصورا والثاني تصديقا وسمي آخرون الأول معرفة والثاني علما وسمي النحويون الأول مفردا والثاني جملة
وينبغي أن يعرف السيط قبل مركبه فإن من لا يعرف المفرد كيف يعرف المركب ومن لا يعرف معنى العالم والحادث كيف يعرف أن العالم حادث ومعرفة المفردات قسمان أولي وهو الذي يرتسم معناه في النفس من غير بحث وطلب كالموجود والشيء ومطلوب وهو الذي يدل اسمه منه على أمر جملي غير مفصل
الثاني قسمان أيضا أولي كالضروريات ومطلوب كالنظريات فالمطلوب من المعرفة لا يقتنص إلا بالحد والمطلوب من العلم لا يقتنص إلا بالبرهان فذلك قلنا مدارك العقول تنحصر فيهما