فهرس الكتاب
مصطفى المراغي، ومن قبلهما الإمام الفيروز أبادي وغيرهم. أقول: لا بد أن تنتظم تلك الأهداف والغايات في موضوع السورة الأعظم تماما، كما تنتظم حبات اللؤلؤ في العقد الواحد، أو الخيط الواحد.
وليست وحدة الموضوع في السورة تلك التي تقوم على مجرد المناسبة بين الآيات المختلفة الموضوعات كما أكد ذلك د. شريف ود. مصطفى ناصف (1) ! لأن المناسبات حلقة في وحدة الموضوع في السورة، وخطورة في منهجية البحث فيها.
وقد عدّل العلماء المحدثون مفهوم الشاطبي الذي جعل سور القرآن في قسمين: قسم اشتمل على موضوع واحد. وقسم اشتمل على عدّة أغراض وقضايا. عدّلوه بحيث تؤدي هذه القضايا في النهاية إلى الغاية القصوى في السورة. ورأوا أن النظام الذي ألفت عليه السورة هو الذي يحقق مقصد القرآن وهدفه، وهو:"غرس عقيدة التوحيد في النفس، وانتزاع كل ما يخالف هذه العقيدة من الضمير، والدعوة إلى العمل الصالح المكوّن للإنسان المهذّب الكامل، بِسَنّ القوانين المهذبة للفرد الناهضة بالجماعة. وإذا كان هذا هو هدف القرآن، فإن المنهج القرآني هو الذي يحقق هذا الهدف في أكمل صوره، وأقوى مظاهره، ذلك أنه لكي يحمل على اتباع ما يدعو إليه يمزج دعوته بالحث على اتباعها، ويضرب المثل بمن اتبع فنجح، أو ضلّ فخاب، ويتبع الحديث عن المؤمنين بذكر بعض الأحكام التي يجب أن يتبعها هؤلاء المؤمنون، ويعقب ذلك بالترغيب والترهيب، ثم يولي ذلك بوصف اليوم الآخر وما فيه من جنة ونار، وهو في كل ذلك يتكئ على الغريزة الإنسانية التي تجعل المرء خاضعا بالترغيب حينا، والترهيب حينا آخر، والقرآن يستمدّ شواهده من حوادث التاريخ لا يستدعيه ذلك أن ينهج منهج المؤرخين، فيتتبع الحادثة من مبدئه إلى منتهاه، ويمعن النظر في الأسباب والنتائج، ويقف عند كل خطوة من خطواته، ولكنه يقف من هذا الحادث عند الفكرة التي تؤيد غرض الآية، والجزء الذي يؤيد الهدف الذي ورد في الآيات، وقل مثل هذا في القصة عندما يوردها، فإنها تساق للهدف المذكور، وهو من أجل ذلك ينظر إليها من زاوية بعينها، ولا يرمي غالبا إلى قصّ القصة برمتها، ينتقل القرآن بين الأغراض المختلفة لا اعتباطا وبلا هدف، ولكن لصلات وثيقة تربط بين هذه الأغراض، بحيث تتضافر جميعها في الوصول إلى الغاية القصوى وتحقيقها .. وهكذا تجد هدفا عاما تدور حوله السورة، وتتبعه معان أخرى تؤكده ويستتبعها، ويخلص الإنسان في السورة من معنى إلى آخر خلوصا طبيعيا لا عسر فيه ولا اقتصار (2) ."
(1) شريف؛ اتجاهات التجديد في تفسير القرآن، مرجع سابق، ص 520"هامش".
(2) أحمد أحمد بدوي؛ من بلاغة القرآن (بلا تاريخ) ، دار النهضة، مصر، ص 230، 234.