ثالثا: إن هذا التعريف - وإن كانت صورته قريبة من التفسير الموضوعي - إلا أنه يختلف عنه من حيث الغاية والهدف ومنهجية البحث، وسيأتي بيانه.
رابعا: إن مصل هذه التعريفات ستقودنا - حتما - إلى تجزيئية في التفسير الموضوعي على غرار تلك التي سادت تراثنا التفسيري التحليلي، وهي تجزيئية لا تعطي تصوّرا شموليا عن موضوعات القرآن الكريم.
يقول الأخ الباحث في التدليل على ما ذهب إليه: لقد اعتبرت هذا الفن قسما من أقسام التفسير الموضوعي لما له من علاقة قوية في هذا الموضوع من حيث اختصاصه بألفاظ القرآن الكريم والبحث فيها واحدا تلو الآخر.
ويعرّفه بقوله:"هو عبارة عن ترتيب الألفاظ الواردة في القرآن حسب حروف الهجاء، بعد تجريدها من الزوائد، والتعرض لأصل استخدامها، واستقراء اللفظ الواحد واستخداماته في القرآن الكريم، وتوضح تباينها من موضع إلى آخر."
ومن أجود الكتب في هذا: المفردات في غريب القرآن للأصفهاني، وتعتبر كتب الأشباه والنظائر أو إصلاح الوجوه والنظائر ضمن إطار هذا النوع من التفسير الموضوعي (1) .
وهذا التعليل يقودنا إلى التجزيئية في التعامل مع النص القرآني، وهو منهج خطير. ومن المعلوم، أن الراغب الأصفهاني لم ينشئ تفسيره لهذا الغرض، ولم يكن عمله فيه مبنيا على الاستقصاء والشمول لآيات القرآن الكريم كله. وكذلك كتب الأشباه والنظائر لا تصلح أن تكون مثالا على التفسير الموضوعي إن ابتغينا لعملنا الدقة والإحكام.
هذه هي فكرة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، ولنا على ما ذكره الباحثون - من ذكرتهم ومن اطّلعت على كتبهم - ملاحظتان:
الأولى: إهمال بعضهم لقسم مهم من التفسير الموضوعي يتعلق بالبحث في الوحدة الموضوعية في السورة؛ لاعتقادهم بأنه لا يدخل ضمن التفسير الموضوعي، وبهذا تعرف مدى الخلاف بين الباحثين في التعبير عن التفسير الموضوعي.
والملاحظة الثانية: الاختلاف في مفهوم الفكرة، وكأن المقصود فقط هو عملية الجمع للآيات ودراستها، وسنبيّن أنْ ليس كل جمع لآيات القرآن يعني تفسيرا موضوعيا لها، وإن قام الباحث بدراستها على حدة.
إن التفسير الموضوعي تنبثق فكرته من مفهوم الوحدة الموضوعية في القرآن، أو في سوره،
(1) المرجع السابق، ص 54.