فهرس الكتاب
البحث في وحدة الموضوع في سور القرآن وتفسيرها على ذلك الأساس يُعَدّ الشقّ المكمل للتفسير الموضوعي في القرآن الكريم. وإن توضح هذا مقصود هذا المعنى وانضبط في مفهوم العلماء، وشفع بِتوجّه عملي من العلماء إلى تفسير القرآن على هذا النحو بشقّيه وطريقته، وانطلقوا منه في البحث - أمكننا بإذن الله تعالى أن نحقق الهدف والغاية الشموليين من تنزيل هذا الكتاب، وتحقيق كونه كتاب هداية، ومنهج بعث وحياة للناس. وأمكننا كذلك بهذا المنهج الذي يؤصل حقائق القرآن ويبلور مواقفه أن تضع أمتنا على الطريق السويّ، والفهم المستقيم؛ ليتسنى لها - بعد تصحيح فهمها وطريقة تعاملها مع كتاب ربها - النهوض نهضة عملية شاملة ما دامت المنطلقات قد صحت واستقامت. وليس هناك ما هو أجدى وأولى من القرآن الكريم لتصحيح الأفكار والقيم والمبادئ التي تعدّ أساس الانطلاق نحو النهضة بخطى ثابتة راسخة؛ وذلك لا يكون إلا بفهمه وحسن قراءته والتعامل معه.
ولست أقصد من هذا الفصل إلى تفسير السورة الكريمة، وإنما قصدت أن أجتهد في إثبات أنها مشتملة على موضوع واحد، فهو القضية الأولى والأساسية في هذا المبحث، وتفسير السورة لا يتم إلا بعد إدراك موضوعها أو اكتشافه بعبارة أدقّ؛ لكي تشكل كل آية لبنة فيه، وتأخذ كل آية موقعها المناسب بلا تكلّف ولا تمحّل، وليظهر بعد ذلك بناؤها وهيكلها المميّز. وسوف أطبق المنهج الذي رسمته للدلالة على ذلك، لكنني - كما قلت - لا أقصد من هذا المبحث إلى تفسير السورة.
لقد وقع اختياري على سورة الحجر، وهي سورة مكية تشابه مع كثير من السور المكية. وليس هناك من سبب دعاني لاختيارها إلا أنها كغيرها من سور القرآن، سورة لها موضوعها المستقل، ولها روحها الذي يسري في كيانها، فسور القرآن كلها تستوي من هذه الناحية.
ويشهد سياق آيات سورة الحجر أن نزولها كان في مرحلة مبكرة وبالتحديد في أول المرحلة العلنية للدعوة الإسلامية في مكة (1) .
قال الإمام ابن عاشور: ومن العجيب اختلافهم في وقت نزول هذه السورة، وهي مشتملة على آية: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} وقد نزلت عند خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - من دار الأرقم في آخر
(1) محمد حسين الطباطبائي؛ الميزان في تفسير القرآن (1392) ، دار الكتب الإسلامية، طهران، الجزء الثاني عشر، ص 98.
(2) ابن عاشور، التحرير والتنوير، مرجع سابق، جـ 14 ص 6.