إن هذه العلوم آخذ بعضها بعنق بعض، وإن روحا واحدة تسري فيها جميعا، وإن حاول أهل المكر والخبث أن يفصلوا بينها وبين علوم الدين واللغة. وما دامت قراءة القرآن التي نسعى إليها هي قراءة كتاب الله المسطور، وهو القرآن، على ضوء كتابه المنظور، وهو الكون، وقراءة كتابه المنظور على ضوء كتابه المسطور، ما دامت هذه هي القراءة الصحيحة، فسيظهر من خلالها كيف يسير الكتابان في أحكم نظام، وأفضل انسجام، وسيظهر من خلالها أيضا كيف أنها تتجه لتقرير وحدانية الله سبحانه وتعالى.
لقد تعالت أصوات عديدة تنادي بدراسة القرآن دراسة موضوعية، وتؤكد على ضرورة إحاطة آيات القرآن بنظرة أكثر شمولية تمكن من نقلة نوعية في تفسير القرآن والتعامل معه. وكانت هذه الفكرة هي الأساس الذي اعتمدت عليه مدرسة الأمناء الأدبية، لكن دوافعها وأهدافها لم تكن لتتجاوز البعد الأدبي الجمالي للنص القرآني، ولم تكن لتسمح لغير العالم بلغة العرب أن يفسر القرآن، وتتمثل بقول الإمام مالك بن أنس:"لا أوتي برجل غير عالم بلغة العرب، يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا" (1) . وإليك ملخص كا دعت إليه هذه المدرسة. وقصدنا من ذلك أن نبيّن منزع المدرسة الذي انحرف إلى وجهة جعلت من مقاصد القرآن العملية أهدافا ثانوية، حتى وإن دعت إلى دراسة القرآن موضوعا موضوعا.
لقد ذكر الأستاذ أمين الخولي - رحمه الله - أن الدراسة الأدبية الموضوعية للقرآن تكون على صنفين:
الأول: دراسة خاصة حول القرآن الكريم؛ ويكون موضوعها: البحث في العلوم والمسائل المتعلقة بالقرآن الكريم؛ كنزوله، وجمعه، وتدوينه، وقراءته، ومسايرة هذه القراءة للتطور اللغوي الذي تعرضت له اللغة العربية بفعل النهضة الجادّة التي أثارتها الدعوة الإسلامية والدولة الإسلامية ... ودراسة عامة حول القرآن تعتبر لازمة لفهم القرآن فهما دقيقا سليما، كدراسة البيئة المادية، أو المعنوية التي ظهر فيها القرآن وعاش، وفيها جُمع، وقرئ، وحُفظ، وخاطب أهلها أول من خاطب، وإليهم ألقى رسالته لينهضوا بأدائها، وإبلاغها شعوب الدنيا، فروح القرآن عربية، ومزاجه عربي (2) ، وأسلوبه عربي {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [] . والنفاذ إلى مقاصده إنما يقوم على التمثل الكامل، والاستشفاف التام لهذه الروح العربية، وذلك المزاج العربي، والذوق العربي. ومن هنا لزمت المعرفة الكاملة لهذه البيئة العربية المادية ... فكل ما يتصل بتلك الحياة المادية العربية وسائل
(1) انظر: عائشة عبد الرحمن: القرآن وقضايا الإنسان (1982) ، دار العلم للملايين، بيروت، ص 313.