ضرورية لفهم هذا القرآن العربي المبين. مع هذا ما يتصل بالبيئة المعنوية بكل ما تتسع له هذه الكلمة من ماض سحيق وتاريخ معروف ...
والصنف الثاني: دراسة في القرآن نفسه، وتبتدئ بالنظر في مفردات القرآن وتدرج دلالة ألفاظها، وتأثرها في هذا التدرج غير غافلة هذه الدراسة عن فهم دلالات الألفاظ في الوقت الذي ظهرت فيه وتليت أول ما تليت على من حول تاليها الأول عليه السلام، ثم ينتقل إلى معناها الاستعمالي في القرآن، ثم بعد المفردات ينظر المفسر الأدبي في المركبات، ويستعين بعلوم الآلة، وخاصة البلاغة التي تتمثل الجمال القولي في الأسلوب القرآني، ونظرا لما لصلة البلاغة بعلم النفس، فإن هذه الدراسة تؤكد القول بالإعجاز النفسي، كما تكشف عن وجه الحاجة إلى تفسير نفساني للقرآن الكريم. هذه فكرة المدرسة الأدبية وخلفيتها في دراسة القرآن الكريم.
أما ما انبنى على ذلك من تفسير موضوعي فيقول الشيخ أمين الخولي فيه:"إن تفسير القرآن على ترتيب سوره لا يساير حاجات مفسره المتفهم له، بل يقضي ما كان من أمر الترتيب بالنظر الجديد والترتيب الخاص لآي الموضوع الواحد، بحيث يكشف هذا الترتيب لنا عن تلك النواحي التي عرفت أن المفسر المتفهم مضطر إلى مراعاتها وتقديرها توصلا إلى الفهم الصحيح والمعنى الدقيق."
إن ترتيب القرآن في المصحف قد ترك وحدة الموضوع لم يلتزمها مطلقا، وذلك كله يقضي في وضوح بأن يفسر القرآن موضوعا موضوعا، وأن تجمع آيه الخاصة بالموضوع الواحد جمعا إحصائيا مستقصى، ويعرف ترتيبها الزمني، ومناسباتها وملابساتها الحافّة بها، ثم ينظر بعد ذلك لتفسر وتفهم، فيكون ذلك التفسير أهدى إلى المعنى، وأوثق في تحديده" (1) "
ويجب أن يفهم هذا الكلام على ضوء خلفية هذه المدرسة من حيث الدوافع والأهداف، ومن هنا نفترق مع المدرسة الأدبية في دراستنا للتفسير الموضوعي للقرآن الكريم، حيث إن المقاصد الثانية عندهم هي بالنسبة إلى دراستنا أساسها ومحورها، بل أكثر من ذلك، وأن من يقول إن أزمة أمتنا ترجع إلى فساد ذوقها الأدبي فقد أبعد النجعة!
ثم ظهرت بعد ذلك كتابات عديدة محاوِلةً إحداثَ تلك النقلة المنهجية في تفسير القرآن، فظهرت كتب عن قصص الأنبياء في القرآن، وظهرت كتب تفرد شخصية كل نبي بالدراسة من خلال القرآن، وانتشرت كتب مثل: الصبر في القرآن، الإنسان في القرآن، المرأة في
(1) انظر: أمين الخولي: التفسير: نشأته، تدرجه، تطوره (1982) ، دار الكتاب العربي اللبناني، بيروت، ص 82 - 83. وانظر: دائرة المعارف الإسلامية، مرجع سابق، (9/ 432 - 437) .