خاشع القلب، حسن الظن، رابط الجأش، ثابت اليقين، واثقا من نفسه، مدركا لدوره، مقدرا للواجب الذي كلف القيام به ... هذه المعاني تتضح من خلال التفسير الموضوعي الذي يوقف الفرد، بل الأمة على نصوع الحقائق. عندئذ يمكن أن تتضافر جهود هؤلاء لتكون عوامل أساسية في نهضة الأمة.
لا ينضبط مفهومنا للتفسير الموضوعي إذا قلنا إنه يقود إلى فهم إسلامي قرآني صحيح؛ لأن التفريق بين الإسلامية والقرآنية يساعدنا في نظر أصوب، وفهم أدق، فالقرآنية في هذا المقام أخص من الإسلامية؛ لأننا أردنا التعرف عن كثب على حقيقة موقف القرآن - هذا الكتاب المعجز - في موضوع ما لا ينبغي أن ندخل معه غيره من العناصر التي تشكل بنود البحث وهيكلته، كأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأقوال الصحابة والتابعين؛ لأننا بهذا نضيف بنودا غير قرآنية إلى عناصر الموضوع المراد معرفة موقف القرآن منه، وبذا تكون هذه الإضافة إلى النص القرآني هي حصيلة تفسيرات واجتهادات وآراء مقيدة بفترات زمنية متباعدة، أعني أن هذه الأقوال يمكن أن تدخل لا لتشكل بنودا أساسية في ذلك الموقف القرآني، بل لتكون شرحا وبيانا له (1) . وإذا أردنا أن ندخل هذه الأقوال إلى النص القرآني فإنه سيتخذ مفاهيم أوسع، كأن نقول: موقف القرآن والسنة من كذا ... أو موقف الإسلام من كذا ... وليس بالضرورة أن تختلف وجهات النظر هذه، ومهما اختلفت الأحوال والمتغيرات والمستجدات فلن تعدو ذلك الموقف القرآني الذي يحدد الإطار العام لكل قضية، ويبين الضوابط الأساسية بالنسبة إلى موقفه من كل موضوع. إننا إذا أردنا أن نبني المجتمع المسلم فيجب أن نقيمه على الأسس والأصول القرآنية. وأكثر الشعوب الإسلامية قد انحرفت - من حيث لا تدري - عن هذه الأسس والأصول في أكثر مجالات الحياة، ولن تتحقق لها السعادة إلا برجوعها إلى تلك الأسس والأصول التي بات الناس في غفلة عنها بقصد أ بغير قصد (2) . فلغياب كثير من أسس القرآن وأصوله عن فهم الناس وسلوكهم آثرنا أن يكون البحث في التفسير الموضوعي مقتصرا على القرآن الكريم فحسب، فإنه الوسيلة الوحيدة التي تصحح المواقف والمفاهيم المتعلقة بهذا الوجود ودور الإنسان فيه، وما يتصل بذلك من حقائق ومبادئ. وسيأتي مزيد بيان لهذه القضية.
إن غيابنا أو غفلتنا عن الأصول والحقائق القرآنية أدّى إلى فهم الإسلام فهما شكليا، وحلّ مكان
(1) انظر: المدخل إلى التفسير الموضوعي، مرجع سابق، ص 68.
(2) انظر ما قالته في هذا لمياء فاروقي في بحث لها بعنوان:"المرأة والمجتمع القرآني" (1986) . مقالات المؤتمر الثاني للفكر الإسلامي، نشر معاونية الرئاسة للعلاقات الدولية، طهران، ص 497.