فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 166

الدواء والشفاء + الكشف والبناء --> النهضة والشهود الحضاري.

التفسير الموضوعي --> النهضة والشهود الحضاري.

وبهذه النظرة المزدوجة المتكاملة، يمكن للتفسير الموضوعي أن ينهض، وأن يثري، وأن ينمو، ولا يتوقف نموّه عند حدود التجربة البشرية بمقولاتها وأفكارها وقيمها المتعثرة؛ حيث لا تتجه إلى القرآن إلا من أجل هدف محدد هو إصلاح القيم والعقائد والتصورات فحسب، ولا تكتمل هذه النظرة إلا بالانطلاق إلى الحياة ابتداء من القرآن الكريم.

وأودّ أقول - بكل صراحة - أن الذي غلب على معظم الدراسات الحديثة في التفسير الموضوعي هو المنحى التاريخي في التفسير بقضاياه التحليلية، ولم تختلف عند أغلب المفسرين المحدثين إلا صورة البحث وقالبه فقط، مع افتقار معظمها إلى منهجية شمولية منضبطة، فقد يختار الباحث منهم موضوعا عاما كبيرا تحدثت عنه مئات الآيات، فيفسره بصفحات قليلة، وقد يعرض موضوعات قرآنية كثيرة جدا بصورة مقتضبة، وقد ترى بعضهم يميل إلى جهة معينة في التفسير بحيث تكون الثقافة الشخصية هي المهيمنة على خطوات البحث ومنهجه، في حين - وكما أسلفنا - أن النص القرآني هو الذي ينبغي أن يهيمن على البحث وسيره وطبيعته.

وحينما نقول إن التفسير الموضوعي يجلّي الحقائق القرآنية، ونعلم أن هذه الحقائق هي التي تهيئ فكر المسلم وقلبه للصلاح ندرك حينئذ أهمية التفسير الموضوعي ودوره في إحداث تلك الوثبة الحضارية، يقول العلامة المفكر مالك بن نبي - رحمه الله - في ذلك: نحن بحاجة إلى إعادة تنظيم طاقة المسلم الحيوية وتوجيهها، وأول ما يصادفنا في هذا السبيل هو إنه يجب تنظيم تعليم القرآن تنظيما يوحي معه من جديد إلى الضمير المسلم الحقيقة القرآنية، كما لو كانت نازلة من فورها من السماء على هذا الضمير ويبرز دور المسلم الواقعي فيقول: وثاني ما يصادفنا هو أنه يجب تهديد رسالة المسلم الجديدة في العالم، فبهذا يستطيع المسلم منذ البداية أن يحفظ باستقلاله الأخلاقي، وحتى ولو عاش في مجتمع لا يتفق مع مثله الأعلى ومبادئه، كما أنه يستطيع أن يواجه - على الرغم من فقره أو ثرائه - مسؤولياته مهما يكن قدر الظروف الخارجية الأخلاقية أو المادية (1) .

أنني لعلى يقين أن نضهة الأمة تتوقف على صلاح أفرادها الذين أحسنوا فهم شهادة لا إله إلا الله، محمد رسول الله، اعتقادا وسلوكا، فتجملوا بهذاية القرآن، فكان كل فرد سليم الصدر،

(1) مالك بن نبي: ميلاد مجتمع، ترجمة عبد الصبور شاهين (1986) ، دار الفكر، بيروت، ص 114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت