فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 166

العلاج لمثل هذا المرض، ولوجدنا أسسا صالحة للشفاء التام، وكذا الوضع الاجتماعي والسياسي والفكري والثقافي.

لقد وجد الإسلام المجتمع الجاهلي يعاني من أمراض وعادات متأصلة في النفوس ومستشربة، ومعيارا فاسدا يحكم شؤون الحياة، ونظاما مختلا يتجرع أساه كل مستضعف مقهور ... وبدأ الداعية الأكبر محمد - صلى الله عليه وسلم - بتصحيح الواقع الجاهلي بالاحتكام إلى القرآن وإعماله في شؤون الحياة ... حتى تلاشت أمراضه، وصحت أوضاعه، وتحول المجتمع بأسره من حال الهوان والذل والشقاء والبؤس والاضظراب إلى طمأنينة القلب، وراحة الفكر، وتسليم العقل، وهدوء النفس، وطيب العيش، وأصبحوا للأمم سادة، وللشعوب قادة ... إن هذه العملية تعني أن القرآن مصلح لكل زمان ومكان.

وهاتان الانطلاقتان منبثقتان من مفهوم نزول القرآن وواقعه ومقاصده، فمثلا الآيات التي نزلت هادية مرشدة دون أن تتقيد بحادثة معيّنة تمثل الانطلاقة الأولى التي تهدف إلى عملية البناء الحضاري. أما الآيات التي نزلت تعالج الوقائع والأحداث فتمثل الانطلاقة الثانية. وتعنيان: الانطلاق من المنهج والاحتكام إليه. ويستدل لهما بآيات القرآن التي تدعو إلى التدبر والتأمل في القرآن نفسه، وفي الأثر: «من أراد العلم فليثوّر القرآن» (1) . وهو أثر يدل بوضوح على نبذ التقليد ورفضه، ويأبى على المفسر أن يكون جامع معلومات! وهذا هو الأسلوب الأمثل - في رأيي - في الكشف عن مكنونات القرآن وكنوزه المستورة، خاصة فيما يتعلق بالواقع الحياتي للأمة، وهذا - طبعا - لا يتم إلا بناء على منهج مدروس.

وثراء التفسير الموضوعي ليس مستمدا من التجربة البشرية فحسب؛ لأن التجربة البشرية لا تكشف عن مكنونات القرآن الكريم وعجائبه إلا بقدر يسير، لكن الذي يثريه هو النظر الدائم، والربط المستمر بين القرآن والواقع، وبين الواقع والقرآن، لتتحقق المعادلة الآتية:

التفسير الموضوعي -- الواقع -- القرآن -- دواء وشفاء

التفسير الموضوعي -- القرآن -- الواقع -- كشف وبناء

(1) هو من كلام السلف، ولا تصحّ نسبته إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، انظر المتقي الهندي: كنز العمال (1981) . مؤسسة الرسالة، بيروت، (1/ 548) . وهو معزوّ إلى الديلمي. وذكره الغزالي في إحياء علوم الدين أنه قول لعبد الله بن مسعود، ولفظه: «إذا أردتم العلم فانثروا القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين» . انظر: إحياء علوم الدين (1986) ، دار الفكر، بيروت، الجزء الأول ص 323، 333.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت