فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 166

والقرآن الذي هو من كلام الله في اتجاه واحد لإرساء دعائم الوحدة التي تسود هذا الوجود. إن كل ما في هذا الكون يشير بوضوح إلى وحدانية الخالق، فمظاهر الوحدانية متجلية في نواميس هذا الخلق، وكل ما في هذا الخلق يشهد بأن الله سبحانه واحد. وإن المعرفة الناتجة عن هذه العملية هي معرفة توحيدية خالصة، تسترشد بهدي الوحي، وتستنير بنور العقل. فعملية الانطلاق هذه تعني البحث عن ترجمة عملية للقرآن الكريم، وتنزيل آيات القرآن على الواقع، مثال ذلك: إننا نقرأ قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} [الكهف: 107] . ونريد التعرف على السبل المؤدية إلى العمل الصالح، الذي يؤهل المؤمن للفوز بالفردوس الأعلى. إن العمل الصالح سيكون قطعا مما تدفع إليه ضرورات العصر ومتطلباته. فيمكن أن يتمثل في إنشاء مدارس ذات عقيدة تقي أبناء المسلمين شر التعليم العالماني، أو في بناء مستوصفات صحية تقي المسلمين شر التنصير، أو في تجميع أموال الزكاة وإنفاق جزء منها على الدعاة إلى الله ومعلمي الناس الخير، أو في جمع الأموال لإنشاء معاهد ومؤسسات علمية تحفظ على الأمة عقيدتها وفكرها وتراثها ... كل أولئك عمل صالح لهذا الزمان، بل أصبحت هذه الأعمال في عداد الواجبات.

وليس ذلك فقط في مجال العمل، بل كذلك في مجال المعرفة، فالبحث في آيات من القرآن تتحدث عن علم النفس يؤكد الأسبقية والأولوية لنا في تأصيل هذا العلم وبلورته، وكذلك علم الاجتماع، وكم من علم وعلم تضمن القرآن الكريم إشارات إليه، تتحقق لنا به نقطة الانطلاق من أرضية ثابتة باتجاه صحيح، إن القرآن قادر على أن يهب ويعطي ويمنح الكثير في كل زمان، إن هذه العملية تعني أن القرآن الكريم صالح لكل زمان ومكان. وهي بمثابة النفث في روع الأمة لتستيقظ وتدرك نفسها وشأنها، ومن ثَمَّ تنبعث ولو انبعاثا روحيا يشكل نواة الانبعاث الحضاري!!

الانطلاقة الثانية: وتعني وضع الواقع الحياتي للأمة تحت المجهر المخبري القرآني التحليلي، فتبدأ من الواقع، وتتجه إلى القرآن الكريم للقيام بعملية العلاج للتوصل إلى الشفاء؛ لأن هذه العملية بمقدورها أن تهتدي إلى الأسقام والأوجاع التي تعاني منها البشرية، وأن تهديها إلى الدواء الحقيقي، وأن تنقذها من كل بؤس وشقاء، وأن تحقق لها كل خير وسعادة، وطمأنينة واستقرار.

فلو أردنا البحث عن المنهج الاقتصادي الذي تنتهجه بلاد المسلمين لوجدنا أن الربا يسيطر عليه ويحكم معظم معاملاته، فإذا انطلقنا من هذا الواقع إلى القرآن لوجدنا القرآن الكريم قد تضمن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت