فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 166

ويرى كذلك أن المقصود بالموضوعية أن يبدأ من الموضوع، وينتهي إلى القرآن، هذا أولا. وأما ثانيا، فهو أن يختار مجموعة من الآيات تشترك في موضوع واحد يقوم بعملية توحيد بين مدلولاتها من أجل أن يستخرج نظرية قرآنية شاملة بالنسبة إلى ذلك الموضوع (1) .

وأهم ما يمكن أن يؤخذ على هذا الكلام ما يلي:

أولا: ليست وظيفة التفسير الموضوعي مقصورة على ما ذكره؛ لأن دراسة موضوع معين في القرآن الكريم على ضوء الواقع المعاش لا تقتصر فائدتها على تحكيم القرآن في تجارب البشرية أو إطلاق أحكام تصحيحة أو تخطيئية على تلك التجارب؛ لأن القرآن في هذا الحال يتقيد ويتحدد ويفقد خاصية الانطلاق؛ أعني أن يكون القرآن مهيمنا على حياة الناس، لا في تقويم اعوجاجهم، وتصحيح انحرافهم فحسب، بل كذلك في إثبات وجهة القرآن في هذا الموضوع ليطابقها الواقع ويتمثل بها، وليس بالضرورة أن يكون واقع الناس مخالفا لواقع القرآن في ذلك الموضوع، فقد يكون هذا الموضوع منفذا إلى عمارة الأرض وتذليل سبلها، وتحقيقا لمطلب القرآن بضرورة السير في الأرض؛ للقيام بمهام الخلافة، وتحقيق الشهود الحضاري.

ويهدف كذلك إلى إنشاء منهجية واضحة في الدرس القرآني والتأمل القرآني، وتأصيل أطر عامة وقواعد ثابتة في ذلك الموضوع. وتلك المنهجية وذلك التأصيل تعد أسسا في عملية بناء الحياة الإسلامية على القيم والتعاليم الربانية. وبعبارة أخرى: إن التفسير الموضوعي يُقَعّد أسس ومبادئ النهضة الإسلامية الشاملة.

ثانيا: قوله ببداية التفسير الموضوعي من الواقع الخارجي بحصيلة التجربة البشرية حيث يتزود المفسر بكل ما يصل إلى يده من حصيلة هذه التجربة ومن أفكارها ومن مضامينها، ثم يعود إلى القرآن ليحكمه ويستنطقه في ذلك الواقع - فيفتقر إلى النظرة الشمولية، ويقتصر على وجهة واحدة؛ وذلك أن العملية إجمالا تنطلق من القرآن الكريم إلى الواقع، ومن الواقع إلى القرآن الكريم. فهما انطلاقتان شاملتان متكاملتان، تتضافران لإبراز الحقائق والمواقف القرآنية في كل ميدان:

الانطلاقة الأولى: تعني وضع الآية القرآنية تحت المجهر التحليلي التأملي، فتبدأ من القرآن الكريم متجهة إلى الواقع للقيام بعملية البناء وتحقيق كل السبل المؤدية إلى الكشف عن نواميس الكون والسنن التي انتظمت بها شؤون الحياة وقانونها؛ ليسير الكون الذي هو من صنع الله،

(1) المرجع السابق ص 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت