وتحديد الآيات التي لها تعلق بذلك الموضوع، ثم يستأنس بعد ذلك بالمعاجم على اختلافها.
وما أشارت إليه المدرسة الأدبية من ضرورة تصنيف آيات القرآن على حسب تاريخ نزولها أمر ما أظنه ممكنا؛ بسبب الصعوبة البالغة في تحديد آيات وتاريخ نزول كل نجم قرآني على وجه الدقة، وحتى لو استطعنا ذلك بشِقّ الأنفس، فإن الفائدة المرجوّة تهم الأديب الذي يسعى إلى إدراك الإعجاز القرآني بمظهر وأسلوب وصورة جديدة، ومعرفة أصل استعمال كل مفردة، ويجرد بحثه لذلك الغرض، وتكون المقاصد الأخرى المتعلقة بهداية القرآن العامة فرعية ثانوية. أما المفسر الموضوعي فيمهمّه قبل كل شيء أن يجسد مقاصد القرآن من خلال إبراز موضوعاته المتكاملة التي تعدّ مشاعل هداية تنير للناس في حياتهم سبل السلام وطرق النجاة.
لقد تأثر بمنهج المدرسة الأدبية كثيرون، فقاموا كذلك يشترطون ضرورة ترتيب الآيات على نسقها التاريخي. فقد ذكر د. الفرماوي - نقلا عن أحمد الكومي الذي رسم منهجا لكلية أصول الدين بجامعة الأزهر - ضرورة ترتيب الآيات حسب نزولها على النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الوقوف على أسباب نزولها (1) ، وكل الذين كتبوا في التفسير الموضوعي منهم لم يأخذوا بهذا الشرط، ولم يطبقوه بشموله في الدراسة الموضوعية إلا في موضوعات الأحكام، وفي الموضوعات التي تتوقف معرفة بعض آياتها على أسباب النزول، لكن الذين درسوا موضوعات العقيدة، والأخلاق، مثلا، لم يدرسوها على ضوء هذا الشرط، فبقي شرطا نظريا، لا تسعف المراجع المتوفرة بالوقوف عليه على وجه الدقة والصحة. لكن يؤمّل فيمن يأخذه بعين الرعاية والاهتمام ممن لم تفتر هممهم، ولم تكل عزائمهم الوصول إلى ترتيب تاريخي للقرآن الكريم.
إن الذي يعنينا هو تكامل الموضوع المدروس بصورته الشمولية، واتساق عناصره المتعددة على نحو يجلّي المنهج القرآني في عرض هذه الموضوعات، فإن أردنا أن ندرس موضوع العلم في القرآن مثلا، فهل من الضروري أن يكون قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] هو أول الآيات المصنفة في هذا الموضوع وأول عنصر فيه؟ أم أننا ننظر إلى موضوع الآية، وأي لبنة هي في بناء ذلك الموضوع الكبير. أقول: إن الآية القرآنية تبحث عن المكان الذي تحلّ فيه بسكينة ووقار! وإن أيّة محاولة لزجّها في غير موضعها سيحدث خللا في منهج البحث وموضوعه. ويصدق كلام الأساتذة الأفاضل على بعض موضوعات الأحكام كما ذكرنا آنفا.
وأودّ أن أشير إلى أن أي ترتيب للقرآن الكريم على حسب موضوعاته، لن يكون نهائيا؛ لأن أي
(1) البداية في التفسير الموضوعي، مرجع سابق، ص 62.