تجاوزها ليشكل خللا وخطرا على تفسير كتاب الله، بحيث يكون ذلك التجاوز معطلا لفهم هذا الكتاب، أو معوقا للتعامل معه، بل يكون في ذلك فتنة وأي فتنة! إن تلك الضوابط تعد الأسس القويمة الصحيحة لتفسير كتاب الله وفهمه، وقد رأينا كيف جنى أصحاب الأهواء - على اختلاف مذاهبهم - على تفسير القرآن وفهمه حين تركوا الأخذ بتلك الضوابط والأسس، وابتعدوا به عن الإنسان وواقعه!!
إن موضوع القرآن هو الإنسان: ما هو مدار نجاحه وسعادته، وما هو مدار خسرانه وشقائه؟ وبحثه الرئيس هو أن النظريات التي وضعها الإنسان عن نفسه، وعن الحياة، وعن نظام الكون، وعن ذات الإله، مدفوعا بدراسته السطحية، وتقديراته الخيالية، وخضوعه لسلطان الأهواء، ثم المواقف التي اتخذها على أساس تلك النظريات، فإنها كلها في حقيقتها باطلة ومهلكة للإنسان نفسه من ناحية المصير. وإنما الحق هو الذي علمه الله للإنسان حين جعله خليفة له في الأرض. وبموجب ذلك الحق ليس من منهج من المناهج يقوم على الصحة، ويتوصل إلى العاقبة الحسنة إلا المنهج الصحيح (1) المتمثل في هذا القرآن العظيم.
لقد أصبح المفسر الحديث يواجه تطورا هائلا في العلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية، فيها الغث والسمين، وفيها السمّ والدسم. ومن المفترض أن يوسع هذا المفسر دائرة معرفته بهذه العلوم حتى لا تطغى فتأكل الأخضر واليابس، وتعبّد الناس لأفكار البشر ونظرياتهم، وتبعدهم عن منهج الله تعالى. فالمعرفة بهذه العلوم تمكن من الاستفادة من خيرها. وتحقق الكشف عن عوارها، وتفضح ما اشتملت عليه من سموم، وما بنيت عليه من مغالطات. وليس هناك من طريق أجدى من تفسير القرآن الكريم - المهيمن على المعرفة كلها - في معالجة هذه العلوم، وبيان وجه الضرر، ووجه النفع فيها. وبلورة موقف القرآن الكريم منها. هذا الأمر يُحّتِّم على مفسر القرآن أن يساهم بنصيب كبير في ذلك الجهد، بل لا يقتصر الأمر على مفسري القرآن، ولكنه يشمل غيرهم من علماء الأمة الذين انصبت جهودهم على دراسة العلوم الإنسانية والاجتماعية والطبيعية، ولا بد لهذه الجهود أن تتضافر وتأتلف، لا أن تتنافر وتختلف!!
لقد تتالت على تفسير كتاب الله تعالى فهوم متنوعة تمثل ثمرة مدارس متعددة واتجاهات مختلفة ومناهج متباينة، منها: الأثري، والبياني، والعقدي، واللغوي، والفقهي، والصوفي، والأدبي، والإصلاحي، والعلمي، والرمزي الإشاري، وكانت هذه المدارس تلتقي على قدر منهجي مشترك
(1) أبو الأعلى المودودي: مبادئ أساسية لفهم القرآن، ترجمة خليل الحامدي (1987) ، الدار السعودية للنشر جدة. ص 19.