فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 166

يقضي بالتعامل مع هذا الكتاب آية آية، وجملة جملة، ومجموعة مجموعة، على نحو تجزيئي، بل وصلت التجزئة ببعضهم أن يفضل قراءة على أخرى متواترة. ومن المؤكد أن الاستمرار على هذا النهج لا يخدم وحدة النص القرآني، ولا ما اشتمل عليه القرآن من موضوعات ومقاصد، لا في القرآن الكريم، ولا في سوره؛ سورة سورة - ولما كان ذلك كذلك، كان السعي إلى منهج أشمل مطلوبا، وأبلغ حجة، وأبين طريقا؛ منهج يقضي بالتوقف عن عملية التجزئة في تفسير آيات هذا الكتاب، والاتجاه بها اتجاها موضوعيا - ضرورة لازمة.

وما من شك أن التجديد وفق حاجات الناس ومقتضيات العصر ومتطلباته ضرورة يمليها القرآن الكريم نفسه. ومفسر القرآن إن لم يخدم غايات الأمة وحاجاتها، ويبلور المواقف القرآنية التي تصحح مفاهيم العامة والخاصة، وتقوّم الأفكار والمبادئ الخلقية والسلوكية عند الناس، ويبرز الحلول القرآنية لمشكلات الأمة وقضاياها، فهو ناقل تفسير، وجامع معلومات، وليس بمفسّر! إن المفسر هو الذي يكشف عن مقاصد القرآن الكريم، ويجلّي هدايته للناس بأحكم أسلوب، وأبين حجة وطريقة، وأقصر طريق وأقربه، ويزيل كل العوائق التي تحجب هدايته عن الناس؛ ليكون فهم هذا الكتاب أمرا ميسورا، لا من الناحية الفكرية والنظرية، بل من الناحية العملية الواقعية كذلك.

وما أظن أحدا يتخالجه مَسٌّ من الشك في أن المسلمين - اليوم وبعد اليوم على مدى مستقبلهم القريب والبعيد - في أشد الحاجة إلى أن يستلهموا القرآن العظيم - دستورهم الأكرم - حوافزه الدافعة بفهمه فهما يغيّر من حياة المسلمين، ويضعها في وضع يمكن للإسلام من نشر رايته على الآفاق باعتباره دينا، ونظاما اجتماعيا متكاملا، يحمل في صفحات دستوره كل ما تتطلبه الحياة الكريمة المستقيمة، بل يحمل في تلك الصفحات كل ما تصبو إليه الإنسانية من سعادة وتقدم ورقيٍّ. وإننا في هذا العصر المتنكّر للدين والقيم الروحية والخلقية، المليء بالشُّبَه الإلحادية المادية والعقلية، المفعم بمعارف لا عهد لأسلافنا بكثير منها، ولا بطرائقها ووسائلها - مطالبون أشد المطالبةة بالقيام بعمل جادّ لخدمة القرآن، وإتاحة فهمه للناس بروح تقدر الواقع، وتقف معه وتواجهه، ولا تتهرب منه، وتفهّمه وتفهّم طرائق علاجه، بدراسة الآراء والمذاهب الذائعة دراسة تعتمد على ضوء الهدي القرآني، ودحض الزائف منها بالحجة النيّرة، والترحيب بكل ما يظهر أنه حق وخير وهدى ورحمة للناس والحياة. وهذا - بلا شك - عمل شاق، تنوء به كواهل الأشدّاء؛ لأنه عمل يطالبنا بأن نغيّر الكثير من مناهج تعليمنا وتربيتنا وسلوكنا وأفكارنا ومظاهر حياتنا (1) .

(1) محمد صادق عرجون: نحو منهج لتفسير القرآن (1972 م) ، الدار السعودية للنشر والتوزيع، جدة، انظر ص 9، 89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت