{فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر: 44] .
ولكن، كانت النتيجة أن مكروا به؛ يريدون قتله والقضاء عليه، ولكن الله لهم بالمرصاد:
{فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ} [غافر: 45] .
لقد استطاع هذا المؤمن الذي أحاط علما بأساليب الدعوة والخطاب أن يصل إلى قلوب القوم، ويستميلهم إلى جانب الحق، بحيث لم يحتمل فرعون إلا أن يبغي قتله، ويصدّ العامة عن هديه.
والذي يبدو أن خطاب هذا المؤمن لم يكن متوجّها إلى فرعون مباشرة، ولعلّ هذا المؤمن رآها فرصة سانحة أن يخاطب قومه، وقد تبيّن لهم بما لا يدع مجالا للشكّ أن موسى - عليه السلام - على حق فيما يدعو إليه، فدعوته هذه قد أشعلت نور الفطرة في قلوب بعض القوم الذين يسترون إيمانهم - يدلّك على ذلك حنق فرعون وردّة فعله الهائجة على كلامه المؤثّر - فاحتاج الأمر إلى مزيد من الوقود الروحي والمعنوي؛ لتعود الفطرة إلى وضعها الطبيعي من الإقرار لله بالوحدانية والطاعة، لكن الأمر لم يزد أكثرهم إلا طغيانا وكفرا، وعبودية للبشر. لقد واجه هذا المؤمن مكرا عنيفا استهدف حياته، ولكن الله تعالى كان لهم بالمرصاد، فردّ كيدهم إلى نحورهم.
لقد ترك موسى - عليه السلام - فرعون في العراء أمام قومه، فقام فرعون يلهث حرصا على حكمه وسلطانه، فكثف حملته الإعلامية على موسى - عليه السلام -، وألبّ الرأي العام ضدّه؛ لأن خطاب موسى - عليه السلام - مع فرعون كان مباشرا، وقد اغتاظ فرعون منه حينما عرّاه من الحق، وفضح أمره، وكشف حقيقته للناس، ففقد فرعون صوابه؛ فقام يهدد ويتوعد، ويرعد ويزبد.
ويتبيّن لنا من هذا أمر جدير بالملاحظة، وهو أن أهل الحق قد سنّوا سنة حميدة تعد من أسس المنهجية العلمية في مواجهة الباطل، وذلك هو سعيهم إلى بناء الحصانة الفكرية والثقافية عند الناس على ضوء الاعتقاد بالله سبحانه، وقد ثبت هذا فيما أسفر عنه عمل موسى ومؤمن آل فرعون، والذي لا يمكن الحكم عليه إلا بالنجاح؛ لأنه بيّن أن الحق سيظل ثابتا، وأنه قادر على المواجهة!
وحدثنا القرآن الكريم أن بني إسرائيل كانوا أكثر الأمم إجراما وإفسادا، وحدثنا عما فعلوه مع أنبيائهم ... وقد أرسل الله إليهم عيسى - عليه السلام - ليوقظ فطرتهم، ويبعث الإيمان في قلوبهم بعدما تخلفوا بالطبائع المادية في سلوكهم وأخلاقهم ومعاملاتهم ... فدعاهم وبلغهم كلمة الله