سبحانه وتعالى، وأظهر لهم الآيات والدلائل الساطعة على نبوّته، وأحقية منهج الله بالاقتداء والاتباع. وكانت تلك الآيات مناسبة وملائمة لطبيعة أولئك القوم، بحيث يستجيب لها من كان يملك مسكة من عقل، أو ذرة من فكر. ولكن الذي حدث أن عيسى - عليه السلام - قد لمس منهم سوء النية، وفساد الطوية. قال تعالى:
{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ. وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 52 - 54] .
إنه لم يرتكب في حقهم أي خطأ، ولم يسئ إليهم بأدنى ضرر، فَلِمَ راحوا يخططون له يبغون قتله، ويطمسون معالم الحق التي جاءهم بها من عند الله تعالى؟! هذا هو الصراع العقائدي بين الحق والباطل على مرّ التاريخ، الصراع بين المنهج الإلهي الذي جاءت به رسل الله، والمناهج التي اصطنعها البشر ليعلو بعضهم على بعض، ويستعبد بعضهم بعضا.
ويفصح الذين يدّعون بأنهم أبناء الله وأحباؤه عن هدفهم الحقيقي في معاداة الدين الحق ليسود ما اصطنعه لهم أحبارهم وقادتهم فيقولون:"حينما نمكن لأنفسنا فسنكون سادة الأرض، لن نبيح قيام أي دين غير ديننا، أي الدين المعترف بوحدانية الله الذي ارتبط حظنا باختياره إيّانا، كما ارتبط به مصير العالم. ولهذا السبب، يجب أن نحطم كل عقائد الإيمان؛ وذلك بنشر المذاهب الاجتماعية والسياسية والفكرية والبيولوجية" (1) . ويشهد لمكرهم هذا بالإنسانية وتضليلهم إياها ما بثّوه في العصر الحديث من نظريات في علم النفس، والاجتماع، والسياسة، والاقتصاد ... وكلها بهدف استئصال دين الحق والعقل والفطرة، وطمس معالمه في نفوس البشر وفي واقع حياتهم. وتبرز من هنا دوافع ذلك المكر ضد أنبياء الله والدعاة إلى الحق في كل العصور!
لقد حدثنا القرآن عن هذا في العصر المدني حين ذهب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو اليهود إلى دين الله بعدما حرفوا فيه وبدّلوا، وزادوا ونقصوا، وليذكرهم بما وقع للسابقين منهم، ويحذرهم المصير نفسه، فلقد أرادوا قتل عيسى - عليه السلام - فنجّاه الله منهم وأحبط كيدهم. ويقرر القرآن درسا واحدا، ويكرره في كل حادثة، ألا وهو التنبيه على أن الله تعالى محيط بالماكرين، وأنه لهم بالمرصاد، وأن تدبيره أعظم من تدبيرهم، وأن مكره أبلغ وأنفذ من مكرهم، وأنه محبط كيدهم.
(1) بروتوكولات حكماء صهيون، ترجمة محمد خليفة التونسي (1984) ، دار الكتاب العربي، بيروت، ص 152.