فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 166

يجلّوا صورة أكثر وضوحا، ومنهجا في البحث أشد ظهورا، ولما تكتمل منهجية البحث.

ولا بد أن نفرق في هذا المقام بين نوعين من الوحدة في السورة، الوحدة الفنية أو ما أطلق عليه وحدة النظم. ثم الوحدة الموضوعية أو وحدة المعنى. ومن المؤكد أن الاتصال بينهما وثيق وقوي، لكن هذا لا يعني أن من قال بالوحدة الفنية أن يكون مدركا للوحدة الموضوعية. وقد كان القول بوحدة النظم سابقا على القول بوحدة المعنى؛ للاهتمام البالغ الذي أولاه علماؤنا لقضية الإعجاز القرآني الذي توجهت مباحثه فيما بعد إلى دراسة الأسلوب القرآني ونظمه.

ويعرف د. محمد حسن باجودة الوحدة الموضوعية بقوله: نعني بالوحدة الموضوعية: التماسك العضوي، والترابط الفني الدقيق. وهو أن يكون العمل الفني متماسكا إلى أبعد درجات التماسك، بحيث أن كل جزئية تفضي إلى التي تليها، ولا يمكن حذف جزئية واحدة، لأن العمل الفني لا يستغنى عنها، أو إضافة جزئية أخرى يفتقر إليها، وينبغي أن نقرر ابتداء أن القرآن الكريم يجمع أحسن ما يكون الجمع بين الناحيتين الفنية والدينية، وأن الناحسة الفنية دائما وسيلة للناحية الدينية، ويستحيل فصل الواحدة عن الأخرى (1) .

ولعل الإمام أبا بكر محمد بن الطيب الباقلاني (ت 403 هـ) أول المصرحين بذلك التناسق العجيب الذي يحكم أسلوب القرآن،"وليس ذلك في آية دون آية، وسورة دون سورة، وفصل دون فصل، وقصة دون قصة، ومعنى دون معنى" (2) . يقول الباقلاني - رحمه الله - في ذلك:"وانظر بعين عقلك، وراجع جلية بصيرتك، إذا تفكرت في كلمة كلمة مما نقلناه إليك، وعرضناه / عليك، ثم فيما ينتظم من الكلمات، ثم إلى أن يتكامل فصلًا وقصة، أو يتم حديثا وسورة. لا، بل فكر في جميع القرآن على هذا الترتيب، وتدبره على نحو هذا التنزيل، فلم ندع ما ادعيناه لبعضه، ولم نصف ما وصفنا إلا في كله" (3) .

والشيء الذي يذكر بالإعجاب له في هذا الصدد، أنه تناول النظم كظاهرة كلية في القرآن كله، فسبق بذلك المفكرين في العصر الحديث الذين يتناولون نقدهم العمل الأدبي بوجه عام، لأن الأوصاف التي ذكرها لفكرة النظم مستنبطة من القرآن كله كوحدة متكاملة الحلقات، متصلة الجوانب، فهي شائعة فيه، منبثّة في تضاعيفه، تراها في السورة الواحدة (4) . وقد تناول بالدراسة الفنية

(1) محمد حسن باجودة، الوحدة الموضوعية في سورة يوسف (1983) ، تهامة، جدة، ص 35.

(2) أبو بكر الباقلاني، إعجاز القرآن؛ شرح وتعليق محمد بن المنعم خفاجي (1951) ، مطبعة محمد صبيح، مصر، ص 226.

(3) المصدر السابق نفسه ص 228.

(4) فتحي عامر، بلاغة القرآن بين الفن والتاريخ (بلا تاريخ) ، منشأة المعارف، الإسكندرية، ص 177.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت