فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 166

سورتي النمل وغافر باعتبار كل منهما وحدة تتكامل أعضاؤها، ودعا إلى التأمل في السورة، والنظر فيها كلمة كلمة، وفصلا فصلا، لكنه لم يستكمل منهج النظر في النظم القرآني بالتفصيل بسبب انشغاله بالرد على الطاعنين في القرآن الواصفينه بما ليس فيه (1) .

وقد تبع الباقلاني الإمام جار الله محمود بن عمر الزمحشري (ت: 538 هـ) وأكد على الوحدة الفنية في السورة، فعند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] قال:"إن من فوائد تفصيل القرآن وتقطيعه سورا، أن التفصيل سبب تلاحق الأشكال والنظائر، وملاءمة بعضها لبعض، وبذلك تتلاحظ المعاني، ويتجاوب النظم" (2) ، ولكن الزمحشري - كما هو معلوم - لن يطبق ذلك عمليا. وعليه، فلا يفهم من كلامه - رحمه الله - أنه يقول بوحدة الموضوع في السورة، بل يقصد أن آيات السورة تتلاءم آياتها وتتناسب ألفاظها، وتتناسق معانيها، وحدة تتلاحظ معانيها ويتجاوب نظمها.

وكما أسلفت، فإن قضية الإعجاز هي التي أفرزت وحدة السورة الفنية، ولم تحظ السورة بنظرات مستقلة، أو بأبحاث مفردة، من قبل علمائنا للتعرف على خصائصها ونظامها .. ؛ مما أدى إلى بقاء هذه القضية مجرد كلام نظري، أو تكبيق لم يستكمل أركانه، ولم ينضبط منهجه.

أما القول بوحدة المعنى في السورة فظهر كذلك على هذه الصورة، ويرى د. محمد السنباطي أن ابن قيم الجوزية (ت 751 هـ) له قصب السبق في القول بذلك، ويرى أن له فضلا كبيرا على المحدثين أمثال: الإمام محمد عبده، والشيخ رشيد رضا، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ محمد المدني، والأستاذ محمد عبد الله دراز، فيقول:"إن ابن القيم رائد المدرسة الحديثة التي تهتم بأن تقدم أمام تفسير السورة الإطار العام للأهداف السامية التي جاءت السورة لتعالجها، وتمثل الروح الذي يسري في كيان السورة، فيربط بين أجزائها، ويجعل كل جزء فهيا خادما للآخر ومخدوما منه، في سبيل تحقيق الرسالة العظمى التي قصد من السورة أن تؤديها" (3) .

ولعل هذه مبالغة من د. السنباطي؛ لأن مفهوم الوحدة الموضوعية - في السورة - عند المتقدمين على العموم لم يكن واضحا كل الوضوح، وابن القيم لم يقرر الوحدة الموضوعية في السور التي فسرها، بل كان حديثه - أحيانا - في أغراض السور ومحتوياتها قد جاء عرضا،

(1) المصدر السابق نفسه، ص 127، 130.

(2) انظر: درويش الجندي، النظم القرآني في كشاف الزمحشري (1969) ، دار النهضة، مصر، ص 221.

(3) امظر: محمد السنباطي، منهج ابن القيم في التفسير (1980) ، دار القلم، الكويت، ص 84، 92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت