فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 166

والباحث عن آرائه في ذلك - على ندرتها - يلمس شيئا من عدم الوضوح، فتراه مثلا قد قرر أن سورتي الإخلاص - الكافرون والصمد - قد دَلَّتَا على نوعي التوحيد؛ توحيد العلم والاعتقاد، وهو ما تضمنته سورة الإخلاص، وتوحيد القصد والإرادة، وهو ما تضمنته سورة الكافرون، ثم قال: إن مغزى سورة الكافرون ولُبُّها ومقصودها هو براءته - صلى الله عليه وسلم - من دينهم ومعبودهم (1) . وذكر أن المعوّذتين قد تضمنتا الاستعاذة من الشرور كلها، ثم ذكر فيما بعد أن سورة الفلق من أكبر أدوية الحسد، وقد تضمنت التوكل على الله، والالتجاء إليه، والاستعاذة به من شرّ حاسد النعمة (2) ، فهل يقصد ابن القيم - رحمه الله - إبراز محتويات السورة، أو أنه يقرر أن كل سورة تهدف إلى غرض واحد؟ لعلّه يقصد الأمرين معا، فبينما نراه يعدد أغراض السورة ويذكر ما تضمنته في موطن - وهذا لا يزيد على مجرد تلخيص لمشتملات السورة وتوصيف لمضامينها، وليس ذلك الصنيع تفسيرا موضوعيا للسور - نراه في موطن آخر قد قرر أن سورة العنكبوت مثلا قد سيقت لغرض واحد، فقال في كتابه"شفاء العليل"أن سورة العنكبوت مضمونها هو سر الخلق والأمر، فإنها سورة الابتلاء والامتحان، وبيان حال أهل البلوى في الدنيا والآخرة، ومن تأما فاتحتها ووسطها وخاتمتها وجد في ضمنها أن أول الأمر ابتلاء وامتحان، ووسطه صبر وتوكل، وآخره هداية ونصر (3) . ويمكننا القول إن ابن القيم كان مدركا للفكرة، وإن لم تكن واضحة تماما.

وعددت رأي السنباطي مبالغا فيه؛ لأنه ليس هناك تطبيق عملي يجعل ابن القيم في مقدمة الركب. أضف إلى هذا أن هناك من تقدم الإمام ابن القيم في التصريح بوحدة المعنى في السورة، فيكون ابن القيم على غير ما وصفه د. السنباطي الذي قال فيه: إنه مبتكر لا متبع، ومجدد لا مقلّد" (4) ."

ولعل الإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي (ت: 606 هـ) هو أول المتقدمين الذين نطقوا بالوحدة الموضوعية في سور القرآن الكريم، بحيث لم يحتمل كلامه في ذلك إلا الاعتراف والإقرار بوحدة المعنى في السورة، فقد رأى أن سورة فصلت مسوقة لغرض واحد، فقال:

(1) انظر شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، التفسير القيم، جمع محمد أويس الندوي (1949) ، مطبعة أنصار السنة، مصر، ص 531، 533.

(2) المصدر السابق نفسه، ص 545، 585.

(3) شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، (1978) ، دار المعرفة، بيروت، باب رقم 22 ص 247.

(4) منهج ابن القيم في التفسير، مرجع سابق، ص 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت