فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 166

"... وقد ظهر من كلامنا في تفسير هذه السورة أن المقصود من هذه السورة، هو ذكر الأجوبة عن قولهم: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} ، فتارة ينبه على فساد هذه الطريقة، وتارة يذكر الوعد والوعيد لمن لم يؤمن بهذا القرآن ولم يعرض عنه، وامتد الكلام إلى هذا الموضع من أول السورة على الترتيب الحسن والنظم الكامل" (1) .

ثم ذكر أن قوله تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشَفَاءً .. الآية} [فصلت: 44] متعلق بقولهم: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ .. الآية} [فصلت: 5] ، ثم قال:

"وكل من أنصف ولم يتعسف، عَلِم أنا إذا فسّرنا هذه الآية على الوجه الذي ذكرناه، صارت هذه السورة من أولها إلى آخرها كلاما واحدا منتظما مسوقا نحو غرض واحد" (2) .

وهي لفتة ذكية من الإمام الرازي - رحمه الله - ويا ليت جهوده قد توجهت إلى إعطاء هذا الجانب ما يستحق من البحث والدرس، وهو - كما ترى - كلام نظري من الإمام الرازي لم يطبقه في تفسيره، وقد كان - رحمه الله تعالى - يعتني بذكر المناسبات بين آيات السورة الواحدة، ويذكر كيف اتصلت مجموعة من الآيات مع مجموعة أخرى في نظاق السورة الواحدة. وهي بذور مثمرة نثرها الرازي في حقل الدراسات التفسيرية للقرآن الكريم؛ ولا نتوقع منه أكثر من ذلك نظرا للبواعث والدوافع التي قيّد بها نفسه عند إنشاء تفسيره للقرآن الكريم؛ ففي غمرة تلك الأهداف والدوافع والبواعث لم يستطع الرازي أن يستكمل منهج البحث والنظر لتجلية الوحدة الموضوعية في سور القرآن الكريم.

ثم جاء من بعدهم الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (ت: 790 هـ) فأرشد إلى طريقة فهم الكتاب من ناحية ربط بعض جمله المشتركة في قضية واحدة، وإنه بمعاضة بعضها لبعض يتبيّن مقصود الخطاب، ويتبيّن فقه الكلام، وأنه لا تؤخذ جملة منقطعة عن سابقها ولاحقها، وإن السور النازلة في قضية واحدة أمرها ظاهر. أما السور المشتملة على قضايا كثيرة فهل ينظر فيها إلى ترتيب السورة كلها ككلام واحد؟ قال: نعم، إن ذلك يفيد من وجهة الإعجاز، وإدراك انفراد الكتاب بمرتبة في البلاغة لا تنال (3) .

(1) فخر الدين محمد بن عمر الرازي، مفاتيح الغيب (1981) ، دار الفكر، بيروت: 27/ 134.

(2) مفاتيح الغيب، مرجع سابق 27/ 135.

(3) من تعليق الشيخ عبد الله دراز على كتاب الموافقات للشاطبي (1975) ، دار الفكر العربي، مصر. انظر المسألة الثالثة عشرة 3/ 412.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت