قال الشاطبي - رحمه الله تعالى:"إن الكلام المنظور فيه تارة يكون واحدا بكل اعتبار، بمعنى أنه أنزل في قضية واحدة طالت أو قصرت، وعليه أكثر سور المفصل، وتارة يكون متعددا في الاعتبار، بمعنى أنه أنزل في قضايا متعددة؛ كسورة البقرة، وآل عمران، والنساء، واقرأ باسم ربك، وأشباهها ولا علينا أنزلت السورة بكمالها دفعة واحدة، أم نزلت شيئا بعد شيء."
ولكن هذا القسم له اعتباران:
اعتبار من جهة تعدد القضايا؛ فتكون كل قضية مختصة بنظرها، ومن هنالك يلتمس الفقه على وجه ظاهر لا كلام فيه، ويشترك مع هذا الاعتبار القسم الأول؛ فلا فرق بينهما في التماس العلم والفقه.
واعتبار من جهة النظم الذي وجدنا عليه السورة؛ إذ هو ترتيب بالوحي لا مدخل فيه لآراء الرجال، ويشترك معه أيضا القسم الأول؛ لأنه نظم ألقي بالوحي، وكلاهما لا يلتمس منه فقه على وجه ظاهر، وإنما يلتمس منه ظهور بعض أوجه الإعجاز، وبعض مسائل نبه عليها في المسألة السابقة قبل، وجميع ذلك لا بد فيه من النظر في أول الكلام وآخره بحسب تلك الاعتبارات؛ فاعتبار جهة النظم مثلا في السورة لا تتم به فائدة إلا بعد استيفاء جميعها بالنظر؛ فالاقتصار على بعضها فيه غير مفيد غاية المقصود، كما أن الاقتصار على بعض الآية في استفادة حكم ما لا يفيد إلا بعد كمال النظر في جميعها (1) .
وهو مسلك جيد من الشاطبي - رحمه الله - في تأصيل بعض الأسس القويمة والدقيقة في التعامل مع هذا الكتاب الكريم، ويتبيّن لنا من كلامه عدة أمور في غاية الأهمية بالنسبة إلى موضوع بحثنا، وهي:
-أن الشاطبي - رحمه الله - يقرر أن كل سورة من سور القرآن الكريم مشتملة على وحدة فنية تتعلق بالنظم الذي هو مدخل أساسي لإعجاز القرآن الكريم. وهذا ما قرره علماء آخرون من قبله.
-أنه يؤكد على أن بعض سور القرآن قد اشتمل على عدّة موضوعات، وعليه فلا يتضمن وحدة موضوعية.
-أنه يقرر بكل وضوح أن أكثر سور المفصل مشتملة على وحدة موضوعها، إذ أن أكثر سوره نزلت في قضية واحدة، طالت السورة أم قصرت. وقد ذكر أن سورة: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} نازلة في قضية واحدة. وسورة"اقرأ"نازلة في قضيتين: الأولى إلى قوله: {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} ، والأخرى بقية السورة. وذكر أن سورة"المؤمنون"نازلة في قضية واحدة، وأن
(1) إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي؛ الموافقات، تعليق الشيخ عبد الله دراز (1975) ، دار الفكر العربي، مصر: 3/ 414 - 415.