اشتملت على معان كثيرة؛ فإنها من المكيات، وغالب المكي أنه مقرر لثلاثة معان، أصلها معنى واحد، وهو: الدعاء إلى عبادة الله تعالى، هي:
أ- تقرير الوحدانية لله الواحد الحق.
ب- تقرير النبوة للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم -.
جـ- إثبات أمر البعث والدار الآخرة، وأنه حق لا ريب فيه.
فهذه المعاني الثلاثة هي التي اشتمل عليها المنزل من القرآن بمكة في عامة الأمر. وما ظهر ببادي الرأي خروجه عنها، فراجع إليها في محصول الأمر. ويتبع ذلك الترغيب والترهيب، والأمثال والقصص، ذكر الجنة والنار، ووصف يوم القيامة، وأشباه ذلك.
فإذا تقرر هذا، وأعدنا النظر في سورة المؤمنون مثلا، وجدنا فيها المعاني الثلاثة لى أوضح الوجوه؛ إلا أنه غلب على نسقها ذكر إنكار الكفار للنبوة التي هي المدخل للمعنيين الباقيين، وإنهم إنما أنكروا ذلك بوصف البشرية ترفعا منهم أن يرسل إليهم من هو مثلهم، أو ينال هذه الرتبة غيرهم إن كانت؛ فجاءت السورة تبين وصف البشرية وما تنازعوا فيه منها، وبأي وجه تكون على أكمل وجوهها حتى تستحق الاصطفاء والاجتباء من الله تعالى (1) .
ولي على كلام الشاطبي - رحمه الله - مأخذان اثنان، وهما:
الأول: تفريقه بين سور القرآن وتقسيمه لها من حيث أن بعضها سيق لغرض واحد، وبعضها تعددت فيه الموضوعات أمر مضطرب ولا دليل عليه؛ لأن حقيقة إقرارنا بأن كل سورة مبنية على نظام محكم عجيب، وعلى تحفة رائعة في التركيب - يقطع بأن سورة الكوثر أو سورة الإخلاص تشبه كل منهما سورة البقرة أو آل عمران أو النساء من حيث نظامها وتركيبها الظاهر، وهو الوحدة الفنية المتعلقة بالنظم. والباطن وهو الوحدة الموضوعية المتعلقة بالمحتوى والمضمون. ولو أن الشاطبي - رحمه الله - تعمق في تطبيق ما رسمه من النظر في أول الكلام وآخره في كل سورة لاكتشف شيئا يعدّ في ذلك العصر سبقا علميا رائعا في مجال الدراسات التفسيرية للقرآن الكريم.
الثاني: صحيح أن السور المكية في القرآن الكريم تعالج موضوعات الوحدانية والنبوة والبعث والنشور، أو بعبارة أخرى موضوعات العقيدة، لكن هذا القول يقضي بتشابه أو تماثل السور المكية في وحدتها الموضوعية أو تكرارها من سورة إلى أخرى، وقد ذكر الشاطبي هذا الكلام دون أن يفصل
(1) المصدر السابق نفسه 3/ 416 - 417.