وروى الإمام أحمد بسند حسن عن معاذ بن جبل قال: { أوصاني رسول الله بعشر كلمات قال:"لا تشرك بالله شيئًا، وإن قتلت وحرّقت، ولا تعقّنَّ والديك، وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك.."} إلى آخر الحديث.
وكما أن بر الوالدين هو هديُ نبينا محمد فهو كذلك هدي الأنبياء قبله قولًا وفعلًا، وقد سبق بيان هدي نبينا محمد في ذلك من قوله. أما من فعله فإنه لما مرّ على قبر والدته آمنة بنت وهب بالأبواء حيث دفنت - وهو مكان بين مكة والمدينة - ومعه أصحابه وجيشه وعددهم ألف فارس، وذلك عام الحديبية، فتوقف وذهب يزور قبر أمه، فبكى رسول الله - بأبي هو وأمي - وأبكى من حوله، وقال: { استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة } [رواه البغوي في شرح السنة، واصله في صحيح مسلم] .
وهذا إبراهيم خليل الرحمن أبو الأنبياء وإمام الحنفاء عليه السلام يخاطب أباه بالرفق واللطف واللين - مع أنه كان كافرًا - إذ قال: (يا أبت) وهو يدعوه لعبادة الله وحده، وترك الشرك، ولما أعرض أبوه وهدده بالضرب والطرد، لم يزد على قوله: سلامٌ عليك سأستغفر لك ربي... [مريم:47] .
وأثنى الله على يحيى بن زكريا عليهما السلام فقال تعالى: وبَرًّا بوالديه ولم يكن جبارًا عصيًا [مريم:14] .
إلى غير ذلك من أقوال النبيين عليهم السلام التي سجلها كتاب الله تعالى.
وهكذا كان السلف الصالح من هذه الأمة أحرص الناس على البر بوالديهم.
ومن ذلك أن أبا هريرة كان إذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب أمه فقال: السلام عليك يا أماه ورحمة الله وبركاته، فتقول: وعليك السلام يا ولدي ورحمة الله وبركاته، فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيرًا، فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيرًا.