فالله سبحانه خلق لجهنم كثيرا من الجن والإنس وشبههم بالحيوانات مع العلم أن لهم قلوبا وأعينا وآذانا ولكنها صرفت في غير مرضاة الله، لذلك سماهم الله في آخر الآية بالغافلين. إن أكثر الناس مصاب"بالغفلة"وهي أعظم داء، وقال تعالى: إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون، أولائك مأواهم النار بما كانوا يكسبون [يونس:7-8] ، تفيد هذه الآية، أن من أسباب دخول النار أن يغفل العبد في الدنيا عن آيات ربه الكونية والشرعية، وما أكثرهم، نسأل الله أن لا نكون منهم. وقال تعالى في وصف الكفار: يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون [الروم:7] ، فمن غفل عن آخرته فقد تشبه بالكفار، ومن تشبه بقوم حشر معهم، وقال تعالى: اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون [الأنبياء:1] ، فبين الرب تباركت أسماؤه أن الغفلة تجعل العبد في إعراض وصدود عن حكمة خلقه وإيجاده ثم حسابه. وقال تعالى على لسان الكفار: ياويلنا قد كنا في غفلة عن هذا بل كنا ظالمين [الأنبياء:97] . تبين هذه الآية العظيمة أن الإنسان الغافل ظالم لنفسه بشهادته عليها.
قال ابن القيم رحمه الله:"الغفلة تتولد عن المعصية كما يتولد الزرع عن الماء والحرارة عن النار، وجلاءه بالذكر، وإن القلب ليمرض كما يمرض البدن وشفاؤه بالتوبة والحمية، ويصدأ كما تصدأ المرآة، وجلاءه بالذكر، ويعرى كما يعرى الجسم، وزينته التقوى، ويجوع ويظمأ كما يجوع البدن، وطعامه وشرابه المعرفة والمحبة والتوكل والإنابة". اهـ.
وقد أنشد عمران بن حطان:
حتى متى تسقى النفوس بكأسها *** ريب المنون وأنت لاه ترتع؟
أفقد رضيت بأن تعلل بالمنى *** وإذا المنية كل يوم تدفع
أحلام نوم أو كظل زائل *** إن اللبيب بمثلها لا يخدع
فتزودن ليوم فقرك دائبا *** واجمع لنفسك لا لغيرك تجمع