بين الثلاثة المذكورة والتهديد استدل القائلون بأنها حقيقة في الوجوب لغة وشرعا كما ذهب اليه الجمهور او شرعا فقط كما ذهب اليه البلخي وابو عبدالله البصري والجويني وابو طالب بدليل العقل والنقل اما العقل فانا نعلم من اهل اللغة قبل ورود الشرع انهم اطبقوا على ذم عبد لم يمتثل امر سيده وانهم يصفونه بالعصيان ولا يذم ويوصف بالعصيان الا من كان تاركا لواجب عليه واما المنقول فقد تكرر استدلال السلف بهذه الصيغة مع تجردها عن القرائن على الوجوب وشاع ذلك وذاع بلا نكير فأوجب العلم العادي باتفاقهم عليه واعترض بأن استدلالهم بها على الوجوب كان في صيغ من الامر محتفة لقرائن الوجوب بدليل استدلالهم بكثير منها على الندب واجيب بأن استدلالهم بما استدلوا منها على الندب انما كان بقرائن صارفة عن المعنى الحقيقي وهو الوجوب معينة للمعنى المجازي وهو الندب علمنا ذلك باستقراء الواقع منهم في الصيغ المنسوب اليها الوجوب والصيغ المنسوب اليها الندب في الكتاب والسنة وعلمنا بالتتبع ان فهم الوجوب لا يحتاج الى قرينة لتبادره الى الذهن بخلاف فهم الندب فانه يحتاج اليها واعترض على هذا الدليل ايضا بأنه استدلال بالدليل الظني في الأصول لأنه اجماع سكوتي مختلف في حجيته كما تقدم ولا يستدل بالأدلة الظنية في الأصول واجيب بانه لو سلم كون ذلك الدليل ظنيا لكفى في الأصول والا تعذر العمل بأكثر الظواهر لأنها لا تفيد الا الظن والقطع لا سبيل اليه كما لا يخفى على من تتبع مسائل الاصول وايضا نحن نقطع بتبادر الوجوب من الاوامر المجردة عن القرائن الصارفة وذلك يوجب القطع به لغة وشرعا واستدلوا ايضا بقوله تعالى لإبليس { ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك } وليس المراد منه الاستفهام بالاتفاق بل الذم وانه لا عذر له في الاخلال بالسجود بعد ورود الامر به له في ضمن قوله سبحانه للملائكة { اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس } فدل ذلك على ان معنى الامر المجرد عن القرائن الوجوب ولو لم يكن دالا على الوجوب لما ذمه الله سبحانه وتعالى على الترك ولكان لإبليس ان يقول انك ما الزمتني السجود واستدلوا ايضا بقوله تعالى { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون } فذمهم على ترك فعل ما قيل لهم افعلوه ولو كان الامر يفيد الندب لما حسن هذا الكلام كما انه لو قال لهم الأولى ان تفعلوا ويجوز لكم تركه فانه ليس له ان يذمهم على تركه واعترض على هذا بأنه سبحانه وتعالى انما ذمهم لأنهم لم