به ارادته واستدل القائلون بالتكرار ايضا بأن الأمر نهي عن اضداده وهي كل ما لا يجتمع مع المأمور به ومنها تركه وهو أي النهي يمنع من المنهى عنه دائما فيتكرر الامر في المأمور به اذ لو لم يتكرر واكتفى بفعله مرة في وقت واحد لم يمنع من اضداده في سائر الاوقات واجيب بأن التكرار النهي الذي تضمنه الأمر فرع تكرر الامر فاثبات تكرر الامر بتكرر النهي دور لتوقف كل من التكرارين على الاخر
واحتج من قال بأنه يتكرر اذا كان معلقا على شرط او صفة بأنه قد تكرر في نحو قوله { وإن كنتم جنبا فاطهروا } واجيب بان الشرط هنا علة فيتكرر المأمور به بتكررها اتفاقا ضرورة تكرر المعلول بتكرر علته والنزاع انما هو في دلالة الصيغة مجردة قال الرازي في المحصول ان صيغة افعل لطلب ادخال ماهية المصدر في الوجود فوجب ان لا تدل على التكرار بيان الاولى ان المسلمين اجمعوا على ان اوامر الله تعالى منها ما جاء على التكرار كما في قوله تعالى { أقيموا الصلاة } ومنها ما جاء على غير التكرار كما في الحج وفي حق العباد ايضا قد لا يفيد التكرار فان السيد اذا امر عبده بدخول الدار او بشراء اللحم لم يعقل منه التكرار ولو ذمه السيد على ترك التكرار للامه العقلاء ولو كرر العبد الدخول حسن من السيد ان يلومه ويقول له اني امرتك بالدخول وقد دخلت فيكفي ذلك وما امرناك بتكرار الدخول وقد يفيد التكرار فانه اذا قال احفظ دابتي فحفظها ثم اطلقها يذم اذا ثبت هذا فنقول الاشتراك والمجاز خلاف الاصل فلا بد من جعل اللفظ حقيقة في القدر المشترك بين الصورتين وما ذلك الا طلب ادخال ماهية المصدر في الوجود واذا ثبت ذلك وجب ان لا يدل على التكرار الأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الصورتين المختلفتين لا دلالة فيه على ما به تمتاز احدى الصورتين عن الاخرى لا بالوضع ولا بالاستلزام والامر لا دلالة فيه البتة على التكرار ولا على المرة الواحدة بل على طلب الماهية من حيث هي هي الا انه لا يمكن ادخال تلك الماهية في الوجود بأقل من المرة الواحدة فصارت المرة الواحدة من ضروريات الاتيان بالمأمور به فلا جرم دل على المرة الواحدة من هذا الوجه ثم اطال الكلام استدلالا للمذهب الاول ودفعا لحجج المذاهب الاخرة مما قد تقدم حاصل معناه
واذا عرفت جميع ما قررناه تبين ان القول الاول هو الحق الذي لا محيص عنه وانه لم يأت اهل الاقوال المخالفة له بشيء يعتد به هذا اذا كان الأمر مجردا عن التعليق بعلة او صفة او شرط اما اذا كان معلقا بشيء من هذه فان كان معلقا على علة فقد وقع الاجماع