يتصرف به العبد من نفسه وغيرها ملك لله تعالى واما لأنه كالاستهزاء وما مثله الا كمثل فقير حضر مائدة ملك عظيم فتصدق عليه بلقمة فطفق يذكرها في المجامع وشكر عليها شكرا كثيرا مستمرا فان ذلك يعد استهزاء من الشاكر بالملك فكذا هنا بل اللقمة بالنسبة الى الملك وما يملكه اكثر مما انعم الله به على العبد بالنسبة الى الرب سبحانه وشكر العبد اقل قدرا في جنب الله من شكر الفقير للملك على الصفة المذكورة ولا يخفاك ان هذه المعارضة الركيكة والتمثيل الواقع على غاية من السخف يندفعان بما قصه الله سبحانه علينا في الكتاب العزيز من تعظيم شأن ما انعم به على عبادة وكرر ذلك تكريرا كثيرا فإن كان ذلك مطابقا للواقع سقط ما جاءوا به وان كان غير مطابق للواقع فهو التكذيب البحت والرد الصراح ثم لا يخفى على احد ان النعمة التي وجب الشكر عليها هي على غاية العظمة عند الشاكر فإن اولها وجوده ثم تكميل الاته ثم افاضة النعم عليه على اختلاف انواعها فكيف يكون شكره عليها استهزاء
وقد اعترض جماعة من المحققين على ما ذكره الاشاعرة في هذه المسألة منهم ابن الهمام في تحريره فقال ولقد طال رواج هذه الجملة على تهافتها يعني جملة الاستدلال والاعتراض ثم ذكر ان حكم المعتزلة بتعلق الوجوب والحرمة بالفعل قبل البعثة تابع لعقلية ما في الفعل فإذا هو الكفران بالضرورة فقد ادرك العقل حكم الله الذي هو وجوب الشكر قطعا واذا ثبت الوجوب بلا مرد لم يبق لنا حاجة في تعيين فائدة بل نقطع بثبوتها في نفس الامر علم عينها او لا ولو منعوا يعني الاشعرية اتصاف الشكر بالحسن واتصاف الكفران بالقبح لم تصر مسألة على التنزل معنى والمفروض انها مسألة على التنزل ثم ذكر ان انفصال المعتزلة بدفع ضرر خوف العقاب انما يصح حاملا على العمل الذي يتحقق به الشكر وهو بعد العلم بوجوب الشكر بالطريق الموصلة اليه وهو محل النزاع ثم قال واما معارضتهم بأنه يشبه الاستهزاء فيقضي منه العجب قال شارحه لغرابته وسخافته كيف ويلزم منه انسداد باب الشكر قبل البعثة وبعدها انتهى
ومن كان مطلعا على مؤلفات المعتزلة لا يخفى عليه انهم ذكروا هذا الدليل للاستدلال به على وجوب النظر فقالوا من رآى النعم التي هو فيها دقيقها وجليلها وتواتر انواعها خشي ان لها صانعا يحق له الشكر اذ وجوب شكر كل منعم ضروري ومن خشي