و بيان ذلك أن القياس لا ينسخ بغير القياس الأجلى: كالنص، والإجماع، والقياس الأخفى، والمساوي.
أما أن القياس لا ينسخ بالنص، ولا بالإجماع: فلأن شرط العمل بالقياس ألا يوجد ما يخالفه من نص أو إجماع، فإذا وجد ما يخالفه من ذلك فقد بطل العمل به.
وأما أنه لا ينسخ بالقياس المساوى: فلأن ذلك يؤدي إلى ترجيح أحد المتساويين على الآخر، بدون مرجّح، وهو باطل.
وأما أنه لا ينسخ بالقياس الأخفى: فلأن ذلك يؤدي إلى العمل بالمرجوح، وترك الراجح، وهو باطل.
وإذا بطل أن يكون غير القياس ناسخا للقياس: تعين أن يكون الناسخ له هو القياس الأجلى، وهو مختار الإسنوي [1] .
رأى الآمدي:
حكى الآمدي في كون القياس منسوخا قولين، ثم اختار غيرهما.
الأول: المنع من نسخه مطلقا، ونسب هذا القول للحنابلة، والقاضي عبد الجبار، في بعض أقواله؛ لأن القياس إذا كان مستنبطا من الأصل فالقياس باق لبقاء أصله، فلا يتصور رفع حكمه مع بقاء أصله.
الثاني: التفصيل بين القياس الموجود في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم، وبعد وفاته.
فإن كان القياس موجودا في زمنه، فيجوز نسخه، وإن كان القياس موجودا بعد وفاته بأن يكون اجتهد بعض المجتهدين، فأداه القياس إلى تحريم شاء، ثم اطلع بعد ذلك على دليل يحرم هذا الشيء، فإنه يلزم من ذلك رفع حكم قياسه الأول، وإن كان ذلك لا يسمى نسخا.
أما اختياره هو: فيرى أن القياس إن كانت علته منصوصة من الشارع، فهي في معنى النص، وهذا يجوز نسخه بنص أو قياس في معناه.
وإن كانت علته مستنبطة بنظر المجتهد، فحكمها في حقه غير ثابت بالدليل الشرعي، بل ثابت بالاستنباط، وحكم القياس هنا لا يبقى معمولا به في الفرع، لوجود المعارض، بل يلغى، ولكن لا يسمى هذا نسخا؛ لأن الحكم الثابت بالقياس المستنبط العلة ليس ثابتا بخطاب الشارع، والنسخ هو رفع الحكم
(1) انظر نهاية السول للإسنوي (187) / (2) .
(2) محمد، علي جمعه، النسخ عند الأصوليين، صفحه: ?، نهضة مصر، قاهره - مصر، 2005 م.