فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 146

الثاني: أن السنة ليست من جنس القرآن؛ لأن القرآن معجز، ومتلو، ومحرم تلاوته على الجنب، وليس كذلك السنة، وإذا لم يكن القرآن من جنس السنة امتنع نسخه لها، كما يمتنع نسخ القرآن بحكم دليل العقل، وبالعكس.

وأجاب الجمهور عن المعارضة الأولى بثلاثة أجوبة:

الجواب الأول: أن ذلك إنما يصح أن لو كانت السنة من عند الرسول صلى اللّه عليه وسلم، من تلقاء نفسه، وليس كذلك، بل إنما هي من الوحي على ما قال الله تعالى:

وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (( 3 ) )إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحى [1] .

الجواب الثاني: أنه لو امتنع نسخ السنة بالقرآن لدلالته على أن ما شرعه أولا غير مرضيّ، لامتنع نسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة، وهو خلاف إجماع القائلين بالنسخ، حيث إنه يجوز اتفاقا نسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة.

الجواب الثالث: أن ما ذكروه إنما يدل على أن المشروع أولا غير مرضيّ: أن لو كان النسخ رفع ما ثبت أولا، وليس كذلك، بل هو عبارة عن دلالة الخطاب على أن الشارع لم يرد بخطابه الأول ثبوت الحكم في وقت النسخ، دون ما قبله.

أما جواب الجمهور عن المعارضة الثانية:

أنه لا يلزم من اختلاف جنس القرآن والسنة فيما اختص كل واحد منهما بعد اشتراكهما في الوحي امتناع نسخ أحدهما بالآخر؛ إذ لا منافاة بين اختلاف الجنس والنسخ؛ لأن الكل من عند الله [2] .

الرأى الراجح في نسخ السنة بالقرآن:

الراجح في هذا رأي الجمهور، وهو جواز نسخ السنة بالقرآن، لوقوع هذا النوع من الشرع حسب الأدلة الصحيحة المتقدمة الثابتة في القرآن الكريم، والسنة النبوية.

الأول: نسخ السنة المتواترة بالمتواترة.

(1) سورة النجم، آية (3) و (4) .

(2) انظر الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (216) / (3) ، (217) ، تيسير التحرير (202) / (2) .

(3) وتعرف بآخر الأمرين من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال البيهقي: «الحجة أبدا في الآخر من أمره صلى اللّه عليه وسلم» يعني الآخر من فعله، أو قوله، سواء كان ذلك واجبا، أو مستحيلا أو هو أولى من غيره، وعلى هذه القاعدة اختار الفقهاء أذكارا وأفعالا دون أخرى، وسكتوا عن تلك الأخرى، وكأنها ليست بسنة، فظن من لا علم عنده أنهم تحكموا بلا دليل وحجتهم هي ما ذكرنا، انظر: الجامع في الخاتم للبيهقي ص (65) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت