فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 146

نسخ الحكم إلى بدل يقع على وجوه ثلاثة:

الوجه الأول: أن يكون الناسخ والمنسوخ متساويين في التخفيف، والتغليظ - أى التثقيل - وهذا لا خلاف في جوازه.

وقد مثّلوا له بنسخ وجوب استقبال بيت المقدس بوجوب استقبال الكعبة في قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ [1] .

الوجه الثاني: نسخ الحكم إلى حكم أخف، ومثّلوا للحكم الأخف على نفس المكلف من الحكم السابق المنسوخ بما روي أنّ رجلا سأل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم:

«أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت توضأ، وإن شئت فلا تتوضأ. قال:

أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم توضأ من لحوم الإبل» [2] ؛ فإنه نسخ بما روى جابر رضي الله عنه: «كان آخر الأمرين من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار» [3] ، ويؤكد هذا ما ثبت عن عبد الله بن عباس: «أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم

(1) سورة البقرة، آية (144) .

(2) رواه أحمد ومسلم وابن ماجة، انظر مسند أحمد (86) / (5) ، صحيح مسلم (275) / (1) ، سنن ابن ماجة (966) / (1) .

(3) أخرجه أبو داود (ح(192 ) ) والنسائي في الصغرى (ح(185 ) ) وفي الكبرى (( 188 ) )وابن خزيمة في صحيحه (ح(43 ) ) ، وابن حبان في صحيحه (ح(1134 ) ) ، وابن الجارود في المنتقى (ح(24 ) ) ، والطبراني في الصغير (ح(671 ) ) ، والبيهقي في السنن (ح(698 ) ) ، والحازمي في كتاب الاعتبار في الناسخ والمنسوخ ص (80) ، جميعهم من حديث شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر عن جابر. قال الطبراني في الصغير: لم يروه عن محمد بن المنكدر إلا شعيب، وأشار أبو داود والبيهقي إلى أنه اختصار من قصة دخولهم على الأنصارية مع النبي صلى اللّه عليه وسلم، وأكلهم عندها لحم شاة، ثم صلى النبي صلى اللّه عليه وسلم العصر ولم يتوضأ، وقد رويت القصة عن جابر من وجوه أخرجوها في المواضع السابقة، قال ابن حبان: هذا خبر مختصر من حديث طويل، اختصره شعيب بن أبى حمزة متوهما لنسخ إيجاب الوضوء مما مست النار مطلقا، وإنما هو نسخ لإيجاب الوضوء مما مست النار خلا لحم الجزور فقط.

ولرواية شعيب هذه شواهد منها: ما أخرجه البيهقى (ح(700 ) ) عن محمد بن مسلمة قال: أكل رسول الله مما غيرت النار، ثم صلى، ولم يتوضأ، وكان آخر أمر به.

ومما يؤكد أيضا أنه كان آخر الأمرين: صنيع العديد من الصحابة بعده صلى اللّه عليه وسلم، فروى ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (ح(2888 ) ) عن عبد الله بن العلاء قال: سألت القاسم بن مخيمرة عن الوضوء مما مست النار، فقال: لقد رأيتني في - - أكثر من عشرين رجلا من السلف كانت لهم صحبة، يؤتون بالخبز واللحم، فيأكلون منه، ثم نقوم من فورنا إلى الصلاة ما منهم رجل يتوضأ.

(4) محمد، علي جمعه، النسخ عند الأصوليين، صفحه: ?، نهضة مصر، قاهره - مصر، 2005 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت