قال الشيخ الغماري رحمه الله: وهذا منكر جدّا، ولا بدّ أن الذي بلغه لسفيان الثوري شيطان تمثل في صورة إنسان، أو يهودي ادعى الإسلام، وإني لأعجب من سفيان الثوري رحمه الله كيف راج عليه هذا الكذب المفضوح، وهو يقرأ قول الله تعالى: إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ والله أعلم.
وحكمة ذلك أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه، والعمل به يتلى لكونه كلام الله فيثاب عليه، فنزلت التلاوة لهذه الحكمة، أو أن التلاوة أبقيت تذكيرا لنعم الله على الإنسان برفع المشقة عنه.
وللعلماء في نسخ الحكم دون التلاوة مذهبان:
المذهب الأول: جمهور الأصوليين ذهبوا إلى جواز نسخ الحكم دون التلاوة.
المذهب الثاني: ما عدا الجمهور وسماهم الآمدي بالشواذ [1] ، يرون أنه لا يجوز عقلا، وبالتالي لم يقع.
الأدلة: استدل الجمهور على جواز نسخ الحكم دون التلاوة بالعقل والنقل.
الدليل العقلي:
أن نسخ الحكم دون التلاوة لا يترتب على فرض وقوعه محال عقلا، وكل ما كان كذلك كان جائزا، فنسخ الحكم دون التلاوة جائز.
واعترض الخصم على هذا فقالوا: إن ما ذكروه معارض؛ فإن نسخ الحكم دون التلاوة يترتب على فرض جوازه محال، وما كان كذلك لا يجوز عقلا.
وبيان ذلك أن يقال: إن بقاء التلاوة يوهم بقاء الحكم، ونسخ الحكم يوقع المكلف في الجهل، وهو قبيح، فلا يجوز على الله تعالى، فنسخ الحكم دون التلاوة يترتب عليه محال، وهو وقوع المكلف في الجهل، وكل ما يوقع المكلف في الجهل محال على الله فعله، فنسخ الحكم دون التلاوة محال عقلا.
ويرد هذا من وجهين:
الوجه الأول: أن ما ذكرتموه مبني على فاسد، وهو التحسين والتقبيح العقليين، وقد أثبت الجمهور بطلان ذلك.
(1) انظر الإحكام للآمدي (201) / (3) .