فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 146

قال الزركشي: واعلم أن هذه الفروق أكثرها أحكام، أو لوازم ثابتة لأحدهما دون الآخر، ا. ه‍.

لكى نفرق بين النسخ والبداء، لا بد وأن نعرّف البداء أولا، ونثبت حقيقته، ثم نقارن بينه وبين النسخ، فيتضح لنا بعد تصور كل منهما الحق الذي لا مرية فيه.

قال العلماء: البداء، يطلق في لغة العرب على معنيين:

أحدهما: الظهور بعد الخفاء، كما يقول المسافرون: بدت لنا مآذن المدينة، يعنون أنها ظهرت لهم، فرأوها بعد أن كانوا لا يرونها، ومن الآيات التي استعمل فيها القرآن الكريم البداء بهذا المعنى قول الله تعالى: وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (( 47 ) )وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا [1] .

وثانيهما: نشأة رأي جديد لم يكن موجودا، جاء في القاموس: «وَبدا له من الأمر بدوا، وبداء، وبداة، أي: نشأ له فيه رأي» ا. ه‍، ومنه قوله تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّاى حِينٍ [2] .

وجاء في المعجم الوسيط: بدا بدوا وبداء: ظهر، وبدا له في الأمر كذا: جدّ له فيه رأي. [3]

وظاهر أن البداء بالمعنيين يستلزم سبق الجهل، وحدوث العلم، وكلاهما محال على الله تعالى، يشهد لذلك العقل والنقل.

أما العقل: فإنه يقرر نتيجة للنظر الصحيح في هذا العالم: أن الله عز وجل متّصف أزلا وأبدا بالعلم الواسع المحيط بكل شيء، كما هدانا النظر الصحيح في هذا العالم على أنه سبحانه وتعالى لا يمكن أن يكون حادثا، ولا محلاّ للحوادث؛ وإلا لكان ناقصا، وعليه فلا يكون إلها؛ إذ الجاهل عاجز عن أن يخلق هذا العالم بهذا النظام المعجز، ومثله في عجزه الحادث، وقد ثبت أن الله تعالى هو الخالق المبدع لهذا الكون كله بما فيه من عجائب: شمس، وقمر، ونجوم، وكواكب، وليل، ونهار كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [4] فيستحيل إذا عليه

(1) سورة الزمر، الآيتان (47) ، (48) .

(2) سورة يوسف، من الآية (35) .

(3) انظر القاموس المحيط (8) / (1) ، المعجم الوسيط (46) / (1) ، أساس البلاغة للزمخشري ص (31) .

(4) سورة يس، الآية (40) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت