الجهل والحدوث، وكلاهما يستلزم البداء، فالعقل يحكم باستحالة ذلك على الله، تعالى الله عما يقولون علوّا كبيرا [1] .
أما الأدلة النقلية على استحالة البداء على الله تعالى فكثيرة تثبت إحاطة الله تعالى بكل شيء علما، وأنه الخالق لا غيره، القديم المتصرّف في ملكه كيف يشاء.
من ذلك قوله تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ [2] .
وقوله تعالى: * وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [3] .
وقوله تعالى: اللّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (( 8 ) )عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (( 9 ) )سَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (( 10 ) ) [4] .
وقوله سبحانه وتعالى: اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [5] .
من هذه النصوص وغيرها يثبت أن الله تعالى يستحيل عليه البداء بالمعنيين السابقين؛ لأنهما يلحقان العجز بالله تعالى، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا [6] .
يقول القاضي أبو الوليد الباجي في كتابه إحكام الفصول في أحكام الأصول ردّا على من رأي أن النسخ من البداء: «وَالبداء معناه وحقيقته استدراك علم ما كان خفيّا مستترا، ممن بدا له العلم به بعد خفائه عليه، فلذلك يقال: بدا الفجر إذا ظهر، وبدا الكوكب، ومنه قوله تعالى: وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [7] وليس أحدهما من معنى الآخر في شيء؛ لأن الأول لا يوجب لله تعالى صفة مستحيلة؛ لأنه حين أمره بالفعل عالم بأنه سينتهي عنه، وعالم بما يؤول إليه الحال فيه، والذي يبدو له، والله تعالى منزّه عن ذلك.
(1) انظر النسخ بين النفي والإثبات للدكتور فرغلي (136) / (1) .
(2) سورة الحديد، الآية (22) .
(3) سورة الأنعام، الآية (59) .
(4) سورة الرعد، الآيات (8) - (10) .
(5) سورة الزمر، الآية (62) .
(6) انظر مناهل العرفان (77) / (2) ، النسخ في القرآن الكريم (20) / (1) ، (21) ، النسخ بين النفي والإثبات (136) / (1) ، (137) .
(7) سورة الزمر، الآية (47) .