فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 146

و إن أردتم بالبداء الإزالة على ما نقوله في النسخ: فلا يمنع معناه، ويكون الخلاف في العبارة.

فإن قالوا: فلا فائدة في أن يأمر الباري - تعالى - بالفعل، ثم ينهى عنه قبل وقت فعله، وهذا من جملة العبث واللغو، والباري سبحانه منزّه عن ذلك.

والجواب: أن يقال لهم من أين قلتم أنه من جملة العبث واللغو، دللوا على هذا إن كنتم قادرين.

وجواب ثان: وهو أنه لا يمتنع أن تكون الفائدة فيه تكليف المكلّف العزم على الفعل في وقت العبادة، واعتقاد وجوبه [1] .

فالبداء بالمعنى الأول لا يليق بالله تعالى لما قدمنا من أدلة تثبت أن الله جل جلاله عليم بكل شيء.

أما إن كان المراد بالبداء: الإزالة، بمعنى أن الحكم كان موجودا، ثم أزاله الله تعالى فهو واقع في قدرته سبحانه وتعالى، فلا يمتنع هذا؛ إذ يكون البداء هنا مرادفا للإزالة التي يطلق النسخ لغة عليها، وبهذا يكون الخلاف لفظيّا، ولا يكون البداء هنا مستحيلا على هذا المعنى المقرر.

وحيث قد بينا معنى البداء، وأصبح واضحا، يمكننا أن نذكر الفرق بين البداء وبين النسخ ليكون القارئ على بينة من أمره فنقول:

إذا كان البداء بمعنى الإزالة على ما نقوله في النسخ، أو كان بمعنى افتتاح أمر لم يكن، فهذا لا شيء فيه؛ إذ هما بمعنى النسخ الذي نحن بصدده.

أما إذا كان البداء - كما قدمنا - إما الظهور بعد الخفاء، أو نشأة رأي جديد، أو استدراك علم ما كان خفيّا مستترا مما بدا له العلم به بعد خفائه عليه، أو كان معناه تبيّن شيء بعد استبهام شيء.

هذه المعاني متقاربة تؤدي كلها إلى معنى واحد هو سبق الجهل بالأمور، ووضوح المصلحة بعد أن كانت خفية، فهذا المعنى مباين للنسخ من وجوه [2] ، نجملها فيما يلي:

أولا: أن النسخ لا يكون إلا من الله سبحانه وتعالى، فهو وحدسه الذي يملك رفع الأحكام عن العباد أو تقريرها، أما البداء فلا يكون إلا من المخلوقين، ولا

(1) انظر: كتاب إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي (417) / (1) .

(2) انظر النسخ بين النفي والإثبات (139) / (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت