فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 146

عرضنا فيما سبق لكلام الأصوليين من كتبهم، ونرى أن الذي دفع الجمهور إلى القول بنسخ التلاوة، أو نسخ الحكم في القرآن إنما هي الأخبار الواردة في هذا المعنى، وبعضها بأسانيد صحيحة، وردّ بعض المعتزلة هذا الأمر عقلا، حيث رأوا فيه فتح باب خطير للقول بتحريف الكتاب، وهو ما تدعيه الشيعة، حيث يقرّ كثير منهم بأن الكتاب قد حرف.

فألف الطبرسي كتابه: فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب، ولما اعترض عليه حتى من قبل بعض الشيعة، أجاب عنه شرف الدين العاملي في كتابه «أجوبة مسائل جار الله» : بأن ذلك من قبيل النسخ الذي يقول به الجمهور.

والقول بنسخ التلاوة، بل والحكم في القرآن يفتح باب شر كبير من جهتين:

الأولى: القول بتحريف القرآن فيصبح ذلك حجة بيد المبشرين للقول بتساوي القرآن مع المحرف من التوراة والإنجيل، وهو مدخل تبشيري قديم أشار إليه ابن حزم في كتابه الفصل، أثناء مجادلته للنصارى، حيث ادعوا أن القرآن محرف أيضا بناء على كلام الشيعة من المسلمين، فرد عليهم بقوله: «وَمن قال لكم إن الشيعة مسلمون» .

الثانية: القدح في إطلاقية القرآن، وأعني بها أن القرآن صالح لكل زمان ومكان، ويخاطب جميع البشر في كل الأحوال إلى يوم القيامة، وهو معجزة الرسالة الخاتمة، وعليه فلا بد أن تدل آياته كلها على أحكام شرعية، تتناسب مع الأحوال المختلفة، حتى يحقق الشمول والمرونة التي تستلزمها خاتمية الرسالة المحمدية، كما سنوضحه بعد قليل.

فأرى أولا: امتناع نسخ التلاوة كما ذهب إليه العلامة الغماري في كتابه «ذوق الحلاوة في امتناع نسخ التلاوة» ، ونقل عن القاضي الباقلاني أن بعضهم قد منعه، ولم يحدد لنا هذا البعض، وملخص ما ذهب إليه:

(1) - أن نسخ التلاوة يستلزم البداء، وهو ظهور المصلحة في حذف الآية بعد خفائها، وهو في حق الله محال بالاتفاق، وأما ما أبداه الأصوليون من حكمة في جوازه بنسخ حرمة مسه، ونحو ذلك فتمحل وتكلف، لا يتناسب مع دفع المحال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت