عرفنا فيما سبق تعريف النسخ، أما تعريف التقييد فهو: «أن يتبع المطلق بلفظ يقلّل شيوعه» ، بمعنى أنه بعد ورود المقيّد لا يعمل بالمطلق على إطلاقه كما كان، وإنما يعمل به على النحو الذي ورد المقيّد به [1] ؛ لأن ورود المقيّد بيان أن المراد بالماهية بعض جزئياتها، وهو ما دل عليه المقيد.
هذا وقد اتفق الأصوليون على أن اللفظ إذا ورد مطلقا فقط حمل على إطلاقه، وإذا ورد مقيدا فقط حمل على تقييده، كما حكاه الشوكاني [2] .
ففي الحالة الأولى:
أما إذا ورد اللفظ مطلقا تارة، ومقيّدا تارة أخرى، فقد يختلف حكمهما، وقد يتفق إذا اختلف حكمهما كما في قوله تعالى: وَاللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [3] فإننا إذا نظرنا في هذا الآية نرى أن الوعظ والضرب في الآية مطلقان، وأن الهجر قد جاء مقيّدا بكونه في المضاجع، فلا يحمل المطلق على المقيّد هنا؛ لعدم المنافاة في الجمع بينهما.
وإن كان قد استثنى الآمدي وابن الحاجب صورة، وهي ما إذا قال: (أعتق رقبة) ، ثم قال: (لا تعتق كافرة) ، أو قال: (لا تملك كافرة) ، فلا خلاف كما يقول الآمدي في مثل هذه الصورة في أن المقيّد يوجب تقييد الرقبة المطلقة بالرقبة المسلمة، وهذا واضح [4] .
الحالة الثانية: أن يتحد حكم المطلق والمقيّد، وتحت هذا أربع صور:
الصورة الأولى: أن يتحد الحكم ويتحد السبب أيضا، ويكون الإطلاق والتقييد داخلين على الحكم نفيا، وذلك مثل أن يقول في كفارة الظهار مثلا:
(لا تعتق مكاتبا) ، ثم يقول: (لا تعتق مكاتبا كافرا) ، وهنا لا يحمل المطلق على المقيد؛ لأنه لا تعارض؛ إذ يمكن العمل بهما بالكفّ عنهما [5] .
الصورة الثانية: أن يتحد الحكم والسبب، ويدخل الإطلاق والتقييد على
(1) انظر النسخ في القرآن الكريم (145) / (1) ... وقال الشوكاني: هو ما دل على الماهية بقيد من قيودها، إرشاد الفحول ص (164) ، النسخ بين النفي والإثبات (142) / (1) .
(2) انظر إرشاد الفحول ص (164) .
(3) سورة النساء، الآية (34) .
(4) انظر الإحكام للآمدي (3) / (3) ، (4) ، مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد (155) / (2) .
(5) انظر فواتح الرحموت (361) / (1) ، النسخ بين النفي والإثبات (143) / (1) .