فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 146

الحكم إثباتا، ولا خلاف بين الأصوليين في حمل المطلق على المقيد، ولكن الخلاف بينهم فيما إذا تأخر المقيد، هل يعد نسخا؟

أما الشافعية فإنهم يحملون المطلق على المقيد مطلقا، سواء تقدم، أو قارن، أو تأخر، وغير الشافعية يراه نسخا [1] .

ومثال اتحاد الحكم والسبب، ودخول الإطلاق والتقييد على الحكم إثباتا، مثل ما رواه البخاري - رحمه الله - أن أبا هريرة - رضي اللّه عنه - قال: «بينما نحن جلوس عند النبي صلى اللّه عليه وسلم إذ جاءه رجل، فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: مالك، قال:

وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال:

فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال:

لا. قال: فمكث النبى صلى اللّه عليه وسلم فبينا نحن على ذلك أتي النبى صلى اللّه عليه وسلم بعرق فيه تمر - والعرق المكتل - قال: أين السائل؟ قال: أنا، قال: خذ هذا فتصدق به، فقال الرجل: على أفقر منا يا رسول اللّه، فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي صلى اللّه عليه وسلم، حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه «أهلك» [2] .

فهذا الحديث قد ورد فيه لفظ الشهرين مقيّدا بالتتابع، ورواه أيضا مسلم بلفظ التتابع، وإن كان قد جاء عن مسلم حديث آخر ورد فيه لفظ الشهرين مطلقا عن التتابع، وهذا الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه هو عن أبي هريرة أيضا قال:

«وقع رجل بامرأته في رمضان، فاستفتى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك، فقال: هل تجد رقبة؟ قال: لا، قال: وهل تستطيع صيام شهرين؟ قال: لا، قال: فأطعم ستين مسكينا» [3] .

فهذان الحديثان اتحد فيهما الحكم والسبب، ودخل الإطلاق والتقييد على الحكم؛ وذلك لأننا إذا نظرنا إلى الحكم فيهما لوجدناه قد قيّد الصيام في الحديث الأول بالتتابع حيث قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» ، بينما حديث مسلم قد أطلق صيام الشهرين، حيث قال: «وَهل تستطيع صيام شهرين؟» ، فيجب هنا حمل المطلق على المقيد، ويلزم من ذلك وجوب التتابع في كفارة الوقاع في رمضان، وبهذا نجمع بين الحديثين، والمنصوص عليه لدى

(1) انظر فواتح الرحموت (362) / (1) ، الإحكام للآمدي (4) / (3) ، النسخ بين النفي والإثبات (143) / (1) .

(2) انظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري (126) / (4) .

(3) انظر صحيح مسلم (235) / (7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت