يثبت أن الخلاف فيه أيضا، ومنع ذلك أيضا أبو مسلم الأصفهاني، وبعض المتأخرة المحدثين.
ومعنى نسخ التلاوة: صرف القلوب عن حفظ القرآن الدال على كلام الله تعالى مع بقاء العمل بالحكم.
والحكمة في نسخ التلاوة دون الحكم:
أن يظهر الله به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن، من غير استقصاء لطلب طريق مقطوع به، فيسرعون بأيسر شيء، كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، فالمنام أدنى طرق الوحي.
وقد ذهب الجمهور إلى جواز نسخ التلاوة دون الحكم، ومنعه بعض المعتزلة [1] .
الأدلة: استدل الجمهور على جواز نسخ التلاوة دون الحكم بالعقل والنقل.
أما العقل فقد قالوا: إن نسخ التلاوة دون الحكم لا يترتب على فرض وقوعه محال، وكل ما كان كذلك كان جائزا، فهذا النوع جائز عقلا.
وقد اعترض المانعون على هذا بوجهين:
أولهما: أن لفظ الآية ذريعة إلى معرفة الحكم، فإذا نسخت الآية دون الحكم أشعر ذلك بارتفاع الحكم، وفي هذا تعريض للمكلف لاعتقاد الجهل، وهو قبيح من الشارع.
وأجيب عنه: بأن الشارع إذا نسخ التلاوة، فإنه يقيم دليلا على ذلك، وعليه فلا يكون فيه تعريض للمكلف لاعتقاد الجهل كما زعم.
ثانيهما: أن نسخ التلاوة مع بقاء الحكم خال عن الفائدة، وما كان كذلك كان عبثا يستحيل على الله تعالى، فيكون نسخ التلاوة دون الحكم باطلا.
وأجيب عنه: بأن ذلك مبني على وجوب رعاية المصالح في التشريع، وهو باطل.
على أننا لو سلمنا جدلا أنه لا بد من مراعاة المصالح في أفعال الله تعالى، فلا نسلم أنه خال عن الفائدة، لأن فيه رفع الأحكام المتعلقة بالتلاوة من حرمة مسها
(1) انظر المعتمد للبصري (386) / (1) ، الإحكام لابن حزم (61) / (4) ، (62) ، الإحكام للآمدي (201) / (3) ، المحصول للإمام الرازي (482) / (3) / (1) ، كشف الأسرار على أصول البزدوي (908) / (3) .