و جاء في شرح العضد على ابن الحاجب: مسألة: الجمهور على جواز نسخ التلاوة دون الحكم، وبالعكس، ونسخهما معا، وخالف بعض المعتزلة.
قال في الشرح: أقول: النسخ إما للتلاوة فقط، أو للحكم فقط، أو لهما معا، والثلاثة جائزة، وخالف فيه بعض المعتزلة [1] .
وقال ابن حزم في الإحكام: الأوامر في نسخها وإثباتها إلى أربعة لا خامس لها:
فقسم ثبت لفظه وحكمه، وقسم ارتفع حكمه ولفظه، وقسم ارتفع لفظه وبقى حكمه، وقسم ارتفع حكمه وبقي لفظه، ففي هذه الأقسام الثلاثة الأواخر يقع النسخ، وأما القسم الذي صدرنا به فلا نسخ فيه أصلا [2] .
فيؤخذ من نصوص العلماء السابقة: أن نسخ القرآن جميعه لا يجوز، وحكى الإجماع على ذلك صاحب فواتح الرحموت، وصاحب تيسير التحرير وغيرهما.
قال صاحب فواتح الرحموت: نسخ جميع القرآن ممتنع إجماعا، لأن فيه الأخبار والقصص والأحكام التي لا يقبل حسنها أو قبحها السقوط [3] .
كما أن إطلاق لفظ المخالفة على بعض المعتزلة في بعض أنواع النسخ ليس بدقيق، إذ الحق أن نسخ الحكم والتلاوة فيه الخلاف أيضا عند القائل بالنسخ [4] .
فقد جاء في تيسير التحرير: ومنع بعض المعتزلة غير الأول، أي: نسخ التلاوة والحكم، وكذلك جاء في التقرير والتحبير.
وحكى الاتفاق على جواز نسخ التلاوة والحكم صاحب فواتح الرحموت فقال: ونسخ التلاوة والحكم معا اتفاق، ولا حاجة إلى الاستدلال عليه، واستدل بما في صحيح مسلم عن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها: «كان فيما أنزل:
عشر رضعات معلومات يحرّمن، ثم نسخن بخمس رضعات يحرّمن، فتوفي رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن» [5] .
وعلى هذا: فنسخ الحكم والتلاوة لا خلاف بين العلماء فيه عند الذين أثبتوا النسخ، فيكون المراد بالاتفاق قول الجمهور؛ إذ النقل عن شرح العضد وغيره
(1) انظر شرح العضد على ابن الحاجب (194) / (2) .
(2) انظر الإحكام لابن حزم (61) / (4) .
(3) انظر فواتح الرحموت (73) / (2) ، تيسير التحرير (204) / (3) .
(4) انظر النسخ بين النفي والإثبات (35) / (2) .
(5) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (29) / (10) ، صحيح مسلم (1075) / (2) .