فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 146

ثانيا: إن هذا التعريف غير جامع؛ لأنه لا يشمل نسخ التلاوة فقط لبعض آيات القرآن الكريم، فنسخ التلاوة يختلف عن نسخ الحكم [1] من حيث زوال الحكم في النوع الثاني «نسخ الحكم» وبقاء الحكم في الأول «نسخ التلاوة» .

ويجاب عن هذا: أن نسخ التلاوة - إذا قلنا به - يترتب عليه أحكام، منها: نسخ حرمة القراءة على الجنب، ومس سطوره على المحدث، ونحو ذلك، فنسخ التلاوة إذن يدخل في التعريف، وإذا عرفنا ذلك نعرف أن هذا الحد جامع [2] وبذلك يضعف الاعتراض على أننا ننفى نسخ التلاوة كما سيأتي.

ثالثا: إن الحكم كلام الله تعالى، وكلام الله قديم، وما ثبت قدمه امتنع عدمه، فلا يتصور رفعه، ولا تأخره عن غيره، أو تأخر غيره عنه.

ويجاب عن هذا: أن المراد بالحكم في هذا التعريف ما ثبت على المكلف بعد أن لم يكن ثابتا، شأنه في ذلك شأن الوجوب المشروط بالعقل، فهو لم يكن ثابتا قبل العقل، ثم ثبت بعده، وهذا ليس بقديم كي يمتنع انتفاؤه وتأخره، والمراد برفع حكم شرعي: انتفاء وجوب التكليف بالشيء، فإذا ثبت تحريم شيء بعد أن كان واجبا فقد انتفى وجوبه، وهذا ما نعنيه بالرفع.

وقال الغزالي وابن قدامة رحمهما الله [3] : إن الاعتراض فاسد من حيث الأصل، وذلك أن معنى النسخ يراد به قطع تعلق الخطاب بالمكلف، وكلام الله تعالى قديم لا يرفع، وإنما الذي يرفع هو الحكم [4] ، لا الخطاب نفسه، ثم إن الكلام القديم يتعلق بالقادر والعاقل، فإذا طرأ العجز والجنون زال التعلق، وإذا عادت القدرة وعاد العقل عاد التعلق بالمكلف، وكلام الله سبحانه وتعالى كلام قديم لا يتغير، ولا يتبدل.

التعريف الثاني: للإمام الغزالي، واختاره الصيرفي، وأبو إسحاق الشيرازي، والآمدي، وغيرهم أن النسخ هو: «الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه» [5] .

(1) حاشية البناني على شرح جمع الجوامع (78) / (2) ، التقرير والتحبير (41) / (3) .

(2) انظر التقرير والتحبير (41) / (3) .

(3) انظر المستصفى (109) / (1) ، روضة الناظر ص (37) .

(4) الخطاب الذي أخذ في تعريف الحكم الأصولي قديم، أما الحكم الفقهي وهو المراد هنا فهو متعلق الحكم الأصولي وهو حادث، فهناك فرق بين الوجوب والواجب، والحرمة والحرام .. وهكذا.

(5) انظر المستصفى (107) / (1) ، المحصول للرازي (423) / (3) / (1) ، الإحكام للآمدي (151) / (3) ، إرشاد الفحول ص (184) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت