إن حكمته سبحانه وتعالى في أن الإسلام نسخ للشرائع السابقة عليه كلها، ترجع إلى أن تشريعه أكمل تشريع، وبيان ذلك:
إن الإنسان بنوعه يتقلب كما يتقلب الطفل في أدوار مختلفة، ولكل دور من هذه الأدوار حال تناسبه غير الحال التي تناسب دورا غيره.
فالبشر أول عهدهم بالوجود، كانوا كالوليد أول عهده بالدنيا سذاجة، وبساطة، وضعفا، وجهالة، ثم أخذوا يتحولون من هذا رويدا رويدا، ومروا في هذا التحول، أو مرت عليهم أعراض متباينة، ومتباعدة، ومختلفة من ضآلة العقل، وظلمة الجهل، وطيش الشباب، وغشم القوة على تفاوت في ذلك بينهم، اقتضى وجود شرائع مختلفة لهم تبعا لهذا التفاوت، حتى إذا بلغ العالم أوان نضجه واستوائه، وربطت مدنيته بين أقطاره وشعوبه، جاء هذا الدين الحنيف ختاما للأديان كلها، ومتمما للشرائع، وجامعا لعناصر الحيوية، ومصالح الإنسانية، ومرونة القواعد، وقد وفّق الإسلام بين مطالب الروح والجسد، وآخى بين العلم والدين، ونظم علاقة الإنسان بالله، وبالعالم كله من أفراد، وأسر، وجماعات، وأمم، وشعوب، وحيوان ونبات وجماد، مما جعله بحق شرعا عامّا صالحا لكل زمان ومكان، خالدا إلى أن يرث الله الأرض، ومن عليها [1] .
وأما حكمة الله تعالى في أن نسخ بعض أحكام الإسلام ببعض، فترجع إلى سياسة الأمة، وتعهدها بما يرقيها ويمحصها، وبيان ذلك أن الأمة الإسلامية في بدايتها، حين صدعها الرسول صلى اللّه عليه وسلم بدعوته، كانت تعاني فترة انتقال شاقة، بل كان أشق ما يكون عليها في ترك عقائدها، وموروثاتها وعاداتها، خصوصا ما هو معروف عند العرب، الذين شوفهوا بالإسلام، من التحمس لما يعتقد أنه من مفاخرهم وأمجادهم، فلو أخذ العرب بهذا الدين مرة واحدة؛ لأدّى ذلك إلى نقيض المقصود، ولمات الإسلام في مهده فلم يجد أنصارا يعتنقونه، ويدافعون عنه؛ لأن الطفرة من نوع المستحيل الذي لا يطيقه الإنسان، من هنا جاءت
(1) انظر أحكام النسخ في الشريعة الإسلامية ص (60) .