يرى جمهور الأصوليين جواز النسخ بلا بدل، وذهب بعض المعتزلة والظاهرية إلى عدم جوازه [1] .
وحكى عن الشافعي عدم الجواز أيضا، أخذا من قوله في الرسالة:
«وَليس ينسخ فرض أبدا إلا إذا أثبت مكانه فرض، كما نسخت قبلة بيت المقدس، فأثبت مكانها الكعبة» [2] .
وكأن معنى هذه العبارة: أنه لا ينسخ حكم إلا إذا أثبت مكانه حكم آخر، ويكون ذلك من إطلاق اسم خاص على العام مجازا.
لكن الإمام الزركشي في البحر المحيط يقول:
وليس ذلك مراده، بل هو موافق للجماهير على أن النسخ قد يقع بلا بدل.
وإنما أراد الشافعي بهذه العبارة كما نبه عليه الصيرفي (في شرح الرسالة) ، وأبو إسحاق المروزي في كتاب (الناسخ) ، أنه ينقل من حظر إلى إباحة، أو إباحة إلى حظر، أو يجري على حسب أحوال المفروض، ومثّله بالمناجاة، وكان يناجي النبى - صلى اللّه عليه وسلم - بلا تقديم صدقة، ثم فرض الله تقديم الصدقة، ثم أزال ذلك، فردهم إلى ما كانوا عليه، فإن شاءوا تقربوا بالصدقة إلى الله، وإن شاءوا ناجوه من غير صدقة، قال: فهذا معنى قول الشافعى: فرض مكان فرض، فتفهمه.
قال الزركشي: والحاصل أن الصور أربع:
الأولى: جواز النسخ بلا بدل، لا شك فيه، وإنما فيه خلاف المعتزلة.
الثانية: وقوعه بلا بدل أصلا، بحيث يعود الأمر كهو قبل ورود الشرائع، ويتركون غير محكوم عليهم بشيء، وهذا هو الذي منع الشافعي وقوعه، وإن كان جائزا عقلا، كما صرّح به إمام الحرمين في التلخيص.
الثالثة: وقوعه ببدل من الأحكام الشرعية، إمّا إحداث أمر مغاير لما كان واجبا
(1) انظر تيسير التحرير (197) / (3) .
(2) انظر الرسالة للإمام الشافعي بتحقيق أحمد شاكر ص (108) ، (109) .
(3) محمد، علي جمعه، النسخ عند الأصوليين، صفحه: ?، نهضة مصر، قاهره - مصر، 2005 م.