بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وبعد فإن كتاب الله هو معجزة الرسالة المحمدية الخاتمة، التي خاطب الله بها الناس جميعا في كل زمان ومكان، وفي جميع الأحوال، فهو حبل الله المتين، الذي لا تنتهي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرد وسيظل غضا طريا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ومبحث النسخ عند الأصوليين من أخطر وأدق المباحث التي تحتاج إلى وقفة علمية متأنية، حيث عالجوا في جانب من جوانب ذلك المبحث أمرا خطيرا يتعلق بسنخ التلاوة، ونسخ الحكم في القرآن، وافترق الأقدمون حول هذه المسألة واشتد النزاع بين المحدثين حتى أنكر بعضهم النسخ جملة وتفصيلا، وتمسّك آخرون بالقول بما ورد عن الأقدمين، وادعوا الإجماع فيما لا يثبت الإجماع في مثله؛ فكان هذا البحث الذي بين أيدينا عارضا لأقوال الأصوليين، ومفترضا رأيا جديدا تجاه النسخ في القرآن، حيث يقر النسخ في السنة المشرفة، ويبقي على ما ذهب إليه الأصوليون من آراء ومباحث في مجال السنة فقط، مع القول بعدم وجود النسخ في القرآن، وإن أقر بوجود تغير الأحكام فيه لتغير الأحوال، بحيث يمكن أن يستفاد مما ورد في الكتاب الكريم كلما رجع الحال إلى ما كان عليه الأمر الأول، منزّها القرآن عن مجرّد شبهة التحريف، ومنزّلا إياه على ما يليق به، من خطاب العالمين إلى يوم الدين.