معدوم أو موجود، فالمعدوم لا حاجة إلى إعدامه، والموجود لا ينكسر، كان هذا القول غير صحيح؛ لأن معناه أن له من استحكام البنية ما يبقى؛ لو لا الكسر، وندرك التفرقة بين كسره وبين انكساره بنفسه لتناهي الخلل فيه، كما ندرك التفرقة بين فسخ الإجارة وبين زوال حكمها لانقضاء مدتها، وبهذا فارق التخصيص النسخ؛ فإن التخصيص يدل على أنه أريد باللفظ البعض [1] .
عرّفه البيضاوي بأنه: «بيان انتهاء حكم شرعى بطريق شرعي متراخ عنه» [2] .
شرح التعريف: قوله «بيان» جنس في التعريف يشمل كل بيان، فهو يصدق ببيان الابتداء، كبيان المجمل والعام ويصدق أيضا ببيان الانتهاء.
وإضافة «بيان» إلى «الانتهاء» : أخرجت بيان الابتداء، كبيان المجمل بالمبين، والعام بالمخصص، والمطلق بالمقيّد.
وتقييد هذا البيان بكونه لحكم شرعي: مخرج لبيان انتهاء الحكم العقلي، وهو البراءة الأصلية؛ فإن شرعية الأحكام بعدها ليست نسخا لها؛ لعدم ثبوتها بنص شرعي.
والحكم الشرعي: شامل لما ثبت بالأمر، ولما ثبت بالنهي، وشامل لفعل الرسول صلى اللّه عليه وسلم، وللتلاوة دون الحكم؛ إذ في نسخها بيان لانتهاء تحريم قراءتها على المحدث.
وتقييد البيان بكونه بطريق شرعي، أي: بدليل شرعي: قول أو فعل، يخرج انتهاء الحكم الشرعي بالعقل كانتهاء الحكم بموت المكلف، أو قطع يده مثلا، فلم يجب غسلها فليس ذلك نسخا؛ إذ النسخ لا يكون بالعقل رأسا، وإلا لادّعى أقوام في العصور المختلفة أن مصلحة حكم بعينه قد انتهت، أو مفسدة حكم بعينه قد زالت، فينتهي الحكم بذلك أمرا ونهيا، وما كان الله ليذر المؤمنين على ذلك، وهو الذي شرع الأحكام وفق مصالح العباد، وحسبما أحاط بذلك علمه الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولم يؤت البشر إلا قليلا من العلم وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلّا قَلِيلًا [3] .
(1) انظر روضة الناظر ص (37) ، النسخ في دراسات الأصوليين ص (38) .
(2) انظر الإبهاج في شرح المناهج (145) / (2) ، نهاية السول مع شرح البدخشي (164) / (2) .
(3) سورة الإسراء، (85) .