فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 146

الموجب لإجماعهم على ذلك الحكم، فيكون إجماعهم دليلا على وجود الخطاب الناسخ، وليس إجماعهم هو الذي نسخ [1] .

الإشكال الثالث: أن المرفوع إما حكم ثابت، وإما ما لا ثبات له، والحكم الثابت لا يمكن رفعه، وما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه، فدل على أن النسخ رفع مثل الحكم الثابت، لا رفع عينه [2] ، أو بيان لمدة العبادة كما قال الفقهاء.

الجواب: أجيب بأن هذا الاعتراض فاسد؛ لأننا نقول بأن النسخ رفع لحكم ثابت لو لاه لبقي ثابتا، فالرفع من المرفوع كالكسر من المكسور والفسخ في العقد؛ إذ لو قال قائل: ما معنى كسر الآنية وإبطال شكلها من تربيع وتدوير؟، فإن الزائل بالكسر هو تدوير الإناء سواء أكان هذا التدوير موجودا باعتبار نظر المشاهد له، أو معدوما باعتبار أنه حال لا وجود له، والمعدوم لا حاجة إلى إزالته، والموجود لا سبيل إلى إزالته، فيقال: معناه أن استحكام شكل الآنية يقتضي بقاء صورتها دائما، لو لا ما ورد عليه من السبب الكاسر، فالكاسر قطع ما اقتضاه استحكام بنية الآنية دائما لو لا الكسر، فكذلك الفسخ يقطع العقد من حيث إن الذي ورد عليه لو لاه لدام، فإن عقد البيع سبب للملك مطلقا بشرط ألا يطرأ قاطع، وليس طروء القاطع من الفسخ مبينا لنا أن البيع في وقته انعقد مؤقتا محدودا إلى غاية الفسخ، فإنا نعقل أن يقول: بعتك هذه الدار سنة، ونعقل أن يقول: بعتك وملّكتك أبدا، ثم يفسخ بعد انقضاء السنة، وندرك الفرق بين الصورتين، وأن الأولى وضعت لملك قاصر بنفسه، والثانية وضعت لملك مطلق مؤبّد إلى أن يقطع بقاطع، فإذا فسخ كان الفسخ قاطعا لحكمه الدائم بحكم العقد، لو لا القاطع، لا بيانا لكونه في نفسه قاصرا.

وبهذا يفارق النسخ التخصيص: فإن التخصيص يبين أن اللفظ ما أريد به الدلالة إلا على البعض، والنسخ يخرج عن اللفظ ما أريد به الدلالة عليه [3] .

وهذه الإجابة تبيّن لنا أن ذلك الاعتراض فاسد من حيث الأصل؛ لأن المقصود «برفع الحكم» رفع حكم ثابت لو لا الناسخ لبقي هذا الحكم ثابتا.

ويمكن أن نقيس هذا الشيء المعنوي على شيء حسي مادي، فشبهه بالكسر من المكسور، والفسخ في العقود، فلو قال قائل: إن الكسر إما أن يرد على

(1) انظر الإحكام للآمدي (154) / (2) ، (155) .

(2) انظر روضة الناظر ص (37) ، أحكام النسخ في الشريعة الإسلامية ص (11) ، المستصفى للغزالي (108) / (1) .

(3) انظر المستصفى للغزالي (108) / (1) ، (109) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت